طلبة الخارج الجزائريين و تصدير ثقافة الجهل

IMG_87461-1300x866

أرسل لي أحد الأساتذة الأصدقاء صورا لأحد الطلبة من اللذين عرفتهم حق المعرفة في الجامعة ، ناشرا صوره أمام تمثال الحرية و في شارع آدمز مورغان مع كتابته بأنه أصبح دارسا بأحد الجامعات هناك ، لتتعالى علامات الدهشة و الاستغراب بشكل رهيب ، كيف لهذا الطالب الذي كان يغش لأجل نيل معدل النجاح أن يسمح له بالدراسة في بلد الحضارة و العلم ، لأتذكر قصيدة بليغة المعاني نظمها الشاعر نزار قباني بعنوان أبو جهل يشتري فليت ستريت ، الفرق بين أبو جهل و الطالب المبتعث أن أبا جهل كان رجل أعمال أما هذا الأخير فهو طالب لا يفرق بين الرومانسية و الواقعية ، لكن الحظ جعله يدرس في بلد العم سام ، حاله حال معظم الطلبة الدارسين هناك ممن يعادون إلى الجزائر بعقولهم الفارغة و ثقافة الجهل التي يحاولون تصديرها للجزائري البسيط ، و هم في هذا ليسوا سوى بيادق في يد مراكز الأبحاث الأمريكية العاملة في مجال الغزو الناعم ، لأن النخبة المثقفة ذات مستويات الذكاء و الوعي العاليين يتم الاحتفاظ بها و الاستفادة منها في الداخل .

لا يختلف اثنان في كون معظم القامات الفكرية الجزائرية تكونت في الخارج و درست بكبريات الجامعات الأوروبية و الأمريكية فكانت خير سفير للجزائر و لعل من أبرزها محمد أركون و زرهوني ، و لكن في السنوات الأخيرة أصبحت الدول الكبرى تستضيف كل من هب و دب كمقيم أو سائح أو دارس خصوصا مع تحويل الرأسمالية المتوحشة للجامعات و المعالم إلى سوق مفتوحة يدخلها الذي يدفع أكثر ما أسقط عنها تلك المكانة العالية التي كانت تشغلها في الأذهان ، فاستقبال الجميع في الدول الكبرى ثم إعادة تكوينهم و إرسالهم إلى دولهم الأم هي خطة ممنهجة تقوم بها هذه الدول للسير بالعقل العربي نحو الحضيض ، بعدما لمست وطنية و وفاء للوطن و القومية في المفكرين السابقين ممن كانوا دارسين هناك في السنوات التي تلت الاستقلال.

إن هذا النوع من المبتعثين و السواح هو تهديد مباشر لكلا الدولتين ، الدولة المصدرة و الدولة المستقبلة بالنظر لكونه سينقل صورة بلده الأم إلى بلدان أخرى ما يشكل صورة عنها في مخيلة الشعوب الأخرى ، كما أنه سيستورد ثقافة الآخر لبلده و إذا لم يكن مالك زاد فكري و إدراك عال بالواقع فان الاستلاب سيكون مصيره الحتمي ، ما سيجعله أداة في يد الآخر الذي ينافس دولته الأم ثقافيا و اقتصاديا ، فأزمة التواصل الحضاري بين الشعوب يلعب فيها هؤلاء عائقا هاما ، بالنظر لتسويق الجزائريين صورة سيئة في الغالب عن الفرد الجزائري ، خير مثال عليها هو فيديو لجزائري الأسبوع الماضي في أحد المدن الفرنسية حين كسر زجاجات الخمر مطالبا بحظر بيعها ومن هذه الحالة التي تضرب بقوانين الدولة المضيفة عرض الحائط الكثير ، و على النقيض فان الغرب يستثمر في سواحه و بعثاته البحثية بشكل جيد حيث دائما ما يقدمون نموذجا للفرد المتحضر ، الراق فكريا و علميا في الغالب ، ما يدفع الجزائري تلقائيا لتقليده ، ليصبح نسخة منه مع تخليه عن موروثه الثقافي و الحضاري ، من منطلق الشعور بالنقص تجاه الآخر ،

أخيرا ، فانه يجب على الحكومة الجزائرية انتقاء نخبة الطلبة و العمل على تكوينهم الجيد للاستفادة منهم في مراكز البحث ، أما و أن تبقى الدول الكبرى مهيمنة على استغلال العقول الفذة و الغبية لصالحها لتستفيد من الأولى في الداخل و تصور الثانية على أنها نخبة مثقفة ،فان هذا سيبقي الجزائر في تخلفها السياسي و الاقتصادي و الفكري ، و بالنظر لعدم استفادة الجزائر من النخبة المثقفة فمن الطبيعي أن تستفيد منها دول أخرى لديها استراتيجيات بعيدة المدى لأجل الهيمنة ، و مهما حاولت الحكومة الاستفادة من هؤلاء فلن تستطيع بالنظر لأنهم يحولون ولائهم تلقائيا للجهة التي تمنحهم الاهتمام و الراتب المرتفع و ان كان ذلك على حساب الوطن ، و في خيانة الكثير من المثقفين اللذين يصدرون الجهل القادم من الضفة الأخرى خير مثال .

 

محمد علي القاسمي الحسني

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك