ربيع عربي اقتصادي بتواطؤ الحكومات هذه المرة

IMG_87461-1300x866

الجيب، أو لنقـُل البطن، هو المحرك البديل للشارع في دول شمال افريقيا والشرق الأوسط. ليس فقط المحرك البديل، بل المقبول من الحكومات وأنظمة الحكم، تتسامح معه، وحتى تتعامل معه بحكمة وليونة مقارنة بتشددها إزاء المطاب السياسية.
لو كانت المظاهرات والاحتجاجات التي شهدها الأردن في الأيام الماضية، ذات طابع سياسي ومطالب متعلقة بالحكم والحريات العامة، لسحقها الجيش والشرطة سحقا ولكانت دماء كثيرة سالت في شوارع عمان والمدن الأخرى. لكن طالما تعلق الأمر بضرائب ومطالب اجتماعية ـ اقتصادية أخرى، سمحت السلطات بالتظاهر حتى تشكّل انطباع بأنها تشجع المتظاهرين على الرغم من بعض «التطاول» على الملك لم يكن مألوفا في المملكة.
بعيداً عن الأردن ومن دون أيّ تنسيق كما يبدو، يعيش المغرب حالة «عصيان اقتصادي» على مواقع التواصل الاجتماعي. أثمر الاحتجاج مقاطعة واضحة لبضائع شركات بعينها، بعضها مملوك لوجهاء في الدولة والمجتمع، بسبب ارتفاع أسعارها. بغض النظر عمّن يقف وراء حملة الاحتجاج ومبتغاه منها، فقد ترتبت عنها خسائر مالية واقتصادية لم يعد ممكنا إنكارها، ودفعت الشركات المستهدفة إلى إبداء بعض الليونة وفتح أبواب التواصل.
الجزائر هي الأخرى شهدت حركة مماثلة كانت وسائط التواصل الاجتماعي منبراً لها احتجاجا على ضرائب فرضتها الحكومة على الوثائق الإدارية مثل الهويات وجوازات السفر ووثائق السيارات.
قبل أن يتحول الغضب إلى «عصيان إلكتروني» كما في المغرب، أوردت وسائل إعلام محلية أن الرئيس بوتفليقة تدخل وألغى الضرائب. اتخذ بوتفليقة قراره في مجلس وزاري استبقته تقارير إعلامية بالتلميح إلى أنه سيخصص لمراجعة الضرائب وربما لإلغائها.
قبل شهور شهدت الجزائر حركة مماثلة احتجاجا على ارتفاع أسعار السيارات، أثمرت تراجعا في أسعارها بشكل ملحوظ. لم يُعرف بوضوح مَن كان وراء حملة «خليها تصدّي» (دعها تخرب)، لكن العبرة بالنتائج وبخضوع محتكري سوق السيارات الجديدة للضغوط.
هنا لعبت السلطات دوراً في الضغط على وكالات بيع السيارات الجديدة على الرغم من أنهم مقربون من دوائر الحكم، ولم يكن لهم ليتحكموا في السوق لولا تشجيع وصمت متواطئ من الحكومة ورجال السلطة. لكن هذه السلطة ذاتها فضلت التضحية بحلفائها الاقتصاديين عندما شعرت بضغط الشارع يتصاعد. لم تهتم السلطات الجزائرية باعتقال مَن يقفون وراء حملات الاحتجاج. والسبب أن الاحتجاجات لم ترفع مطالب سياسية مزعجة للرئيس وللماسكين بالحكم.
في الأردن، كما في الجزائر والمغرب، القاسم المشترك في «تسامح» السلطات مع الاحتجاجات هو أن المطالب غير سياسية ولا تمس برموز الحكم ولا تطعن في شرعيتهم. هناك أيضا عامل مشترك آخر بين الحالات الثلاث هو وجود حكومة هي بمثابة فتيلة أو صمام كهربائي. والفتيلة جاهزة للاحتراق عند حدوث صدمة، أو فقط عندما يتطلب الأمر إرضاء الشارع وامتصاص غضبه.
في الأردن ضحى الملك برئيس وزرائه هاني الملقي، علما أن مجلس الوزراء الحقيقي موجود في القصر الملكي، ورغم أن الخطوط العريضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية تقرَّر هناك، والملقي أقرب إلى منسق ومنفذ. وفي الجزائر لم يتردد بوتفليقة لحظة واحدة في إحراج رئيس وزرائه أحمد أويحيى (أو غيره إن وُجد) مثلما فعل الأسبوع الماضي بإلغائه ضرائب استمات أويحيى في الدفاع عنها إلى الساعات التي سبقت إلغاءها. علمًا أن الحكومة الحقيقية موجودة في قصر «المرادية» ورئيسها الحقيقي بوتفليقة أو مَن يقرر باسمه، أما أويحيى فمجرد موظف دوره التنفيذ وتحمل النتائج الوخيمة.
في المغرب لم يصل الملك محمد السادس بعد إلى التضحية برئيس وزرائه سعد الدين العثماني. أولاً لأن حملة مقاطعة السلع لا تزال تحت السيطرة، وثانيا لأن التضحية بالعثماني من شأنه أن يُدخل المملكة في دوامة سياسية قد تتحول إلى أزمة بسبب التركيبة التوافقية للحكومة التي تشكلت بعسر.
أثبتت التجارب الثلاث أن المجتمعات أصبحت تمتلك أدوات الضغط بعيداً عن مخاطر الضغط عبر الشارع، وتغنيها عن كلفته الباهظة. أصبحت الرسائل تصل من دون دماء، ومن دون اعتقال شخص واحد طالما بقي الأمر محصوراً في مطالب اجتماعية اقتصادية.
يجب أيضا التشديد على أن «التسامح» مع الحركات الاحتجاجية في الحالات المذكورة آنفا، وغيرها، يبعث برسائل إيجابية للغرب، ويمنح الأنظمة الحاكمة فرصة الادعاء بأنها ديمقراطية توفر مساحات التعبير والاحتجاج لمجتمعاتها.
من الخطأ الاعتقاد بأن الاحتجاجات الحالية وُجدت من العدم. الحقيقة أنها تنبعث من تحت أنقاض الربيع المحترق. في هذه المنطقة من العالم تعلم الجميع، حكام ومحكومون، من دروس الربيع العربي في 2011. يجوز القول إن تطوراً حدث في الاتجاهين: هؤلاء استوعبوا أن السياسة خط أحمر ممنوع، وأولئك فهموا أن الأوضاع الاقتصادية ساءت إلى درجة تتطلب الاحتجاج، فلا مفر من التسامح معه.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. BOUANANI M'JID

    La colère des peuples contre la vie chère et contre l’exploitation cannibale dont ils sont victimes de la part des requins blancs sans foi ni loi,qui s'enrichissent illicitement de façon flagrante et démesurée sur le dos des peuples soumis a leur diktat parce que protegees ,qui se permettent sans scrupule de tuer son pouvoir d'achat déjà maigrichon qui ne cesse de se rétrécir comme une peau de chamois,cette colère du peuple pourrait se transformer sans avertir si rien n'est entrepris par le pouvoir pour remédier a une situation grave et a haut risque a désamorcer au plus vite,qui pourrait déstabiliser le pays et faire éclater une paix sociale fragilisée et fissurée... Les peuples ne pourraient plus admettre de se faire exploiter indéfiniment et a service de vache a lait aux requins blancs quelque soit le prix fort a payer. La colère des peuples est pour le moment a caractère strictement économique et rien ne pourrait assurer qu' elle ne se transformerait pas en révolte populaire si elle perdure ,parce que ignorée par un pouvoir qui reste figé face au mécontentement populaire provoqué par des firmes vampires ,qui dans l' impunité totale et l'absence de tout contrôle de la part de l’état qui les protège,n'ont cesse durant des années de sucer le sang des populations d' en bas sans honte ni gêne.

الجزائر تايمز فيسبوك