المقاطعة الشعبية في المغرب هل هي بداية وعي أم بداية غضب شعبي ضد المخزن

IMG_87461-1300x866

شهد المغرب مع موجة الربيع العربي تغيرات سياسية ساهمت في ظهور إصلاحات وتعديلات دستورية كان قدوم حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية أحد بواكيرها. لكن السنوات السبع التي قضاها الحزب في السلطة مرت عجافا على المجتمع المغربي. وأبانت بما لا ريب فيه عن فشل الإسلاميين في تجربة الحكم؛ فقد عكف رئيس الحكومة السابق “عبد الإله بن كيران” أمام عجز الموازنة وإملاءات صندوق النقد الدولي على الزيادة في الأسعار ورفع الدعم الحكومي عن عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية، حتى صار يسمى عند المغاربة ب “ابن زيدان”. وكان أبرز تلك المواد السلع النفطية التي تم تحرير أسعارها بداية من العام 2015، ما أدى إلى احتكار بعض الشركات المملوكة للنافذين وأعضاء في الائتلاف الحاكم استيرادها وتوزيعها، ومنذ ذلك الحين والمغاربة في منتصف كل شهر ينتظرون بدر الزيادة فيها ليطلع، رغم التراجع الكبير الذي شهدته أسعار النفط العالمية. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة نظرا لأن أغلبية الخدمات ترتبط بشكل وثيق بهذه المادة الحيوية.

أمام هذا الوضع وتنامي السخط بين طبقات المجتمع، قام ناشطون مغاربة بإطلاق حملة لمقاطعة ثلاثة من المنتوجات الأساسية في المغرب، اختاروها بعناية لأنها حسب رأيهم مسؤولة عن احتكار السوق بما أدى إلى الزيادة في الأسعار بما يلبي جشع أصحاب هذه الشركات، الذين أصبح البلد رهينة بين قبضتهم؛ لمزاوجتهم الفجة بين المال والسلطة، ويتعلق الأمر بالسلع التالية:

حليب “سنطرال”:  وهو أحد العلامات التجارية لشركة “المركزية للحليب”، وهي شركة كانت في الأصل مملوكة للهولدينغ الملكي، قبل أن تستحوذ عليها شركة “دانون” الفرنسية، وتسيطر هذه الشركة على %60 من السوق المغربية للألبان، ويصل رقم معاملاتها إلى أكثر من 600 مليون دولار، وتبيع اللتر الواحد من الحليب بحوالي 0.7 دولار، بعد أن تأخذه من الفلاح عن طريق وسطائها بحوالي 0.26 دولار.

المياه المعبأة “سيدي علي”: المملوكة لمجموعة “هولماركوم” القابضة، وهي شركة عائلة رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وتسيطر بدورها على 60 بالمئة من سوق المياه المعبأة بالمغرب، وقد لخص هذا المنتوج كيف تحول الماء إلى ثروة ذهبية، تفوق سعره في كل دول أوروبا؛ حيث الدخل ومستوى المعيشة أعلى، إذ يبلغ سعر المتر المكعب الواحد أكثر من 400 دولار، بينما لايتجاوز سعر المتر المكعب من مياه الحنفية حوالي 0.5 دولار.

أما المنتوج الثالث فهو محروقات محطات افريقيا التابعة لمجموعة “أكوا” القابضة، وهي أول مجموعة اقتصادية بالمغرب في مجال توزيع الطاقة من وقود وغاز، وتستحوذ على السوق المغربي للطاقة محققة أرباحا بحوالي 2.5 مليار دولار، ويديرها الوزير والملياردير “عزيز أخنوش” الذي ارتفعت ثروته في سنة واحدة من 1.5  إلى 2.1 مليار دولار، حسب مجلة فوربس، ففي وقت يعاني فيه أكثر من ثلث شباب المغرب من البطالة وأكثر من 10 بالمئة من سكانه تحت خط الفقر، وأكدت اللجنة الاستطلاعية البرلمانية حول المحروقات إلى أن شركات التوزيع حققت أرباحا بين 300 و996 بالمئة، منذ تحرير الأسعار؛ ليصل هامش ربحها إلى 1.7 مليار دولار.

كان التحدي الأهم أمام هذه الحملة هو إلى أي حد يمكن أن تنجح  في الحصول على التأييد الشعبي الواسع لأجل استمرارها؟ وهل ستؤثر في معاملات هذه الشركات العملاقة، بما يرغم غيرها من الشركات على الانتباه والاصغاء جيدا للدرس؟

لكن مع اتساع رقعة المقاطعة وانتشارها الواسع، وتأييد مختلف فئات الشعب لها أماط اللثام عن تحد أكبر يواجه المواطن في علاقته بالدولة؛ وهو إلى أي صف ستنحاز الحكومة المغربية؟ إلى المواطنين الذين وصلت إلى سدة الحكم باستجداء وتسول أصواتهم، أم إلى زمرة  من كبار المقاولين الذين راكموا إلى جانب مليارات الدولارات عددا من المناصب السياسية الحساسة في الدولة؛ في جو كمبرادوري صارخ.

تحد لم تلبث الحكومة كعادتها أن تفشل فيه، وتظهر تحيزها الصارخ لأرباب المال  والسلطة على حساب شعب ذاق المرار وهو يسمع شعاراتها ويتحمل وعودوها لا لشيء إلا لأجل سلامة الوطن واستقراره. فما إن بدأت المقاطعة انتشارها حتى خرج علينا وزير المالية “محمد بوسعيد” من داخل قبة البرلمان يصف المقاطعين ب”المداويخ”؛ وهو ما يعني في الدارجة المغربية قليل العقل والتائه، في حين يصف مدير التسويق في شركة “سنطرال” وبكل صفاقة المقاطعة بأنها “خيانة للوطن”، كل هذا ورئيس الحكومة لا ينبس ببنت شفة.

وبعدما صمتت الحكومة دهرا نطقت بعرا، وبعدما شهدت أسهم الشركات المقاطَعة تراجعا، وتكبدها خسائر بالملايين؛ خرج علينا الناطق باسم الحكومة في أول رد فعل رسمي، متوعدا المقاطعين بالمتابعة القانونية بسبب ما اعتبره ترويجا لأخبار غير صحيحة من طرف الناشطين. في خطوة بائسة وغبية لتخويفهم، ولكنه نسي أن المغاربة أهل عزة وشمم، وأن هذا مثل هذا التهديد سيأتي  بنتائج عكسية وسيجعل من غير المقاطعين أو من الواقفين على الحياد متعاطفين مع هذه الحملة، وينضمون لها؛ وهو ما حصل فعلا.

واليوم لم تعد المقاطعة الشعبية مجرد دعوة لمواجهة الغلاء وحسب، بل أضحت قضية وعي. وعي شعب عانى لعشرات السنوات شأنه شأن بقية شعوب العالم المتخلف من احتكار قوته وسلعه الأساسية، تحت دعاوى براقة من قبيل؛ الاكتفاء الذاتي، وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني. أما اليوم وقد باعت الزمرة الحاكمة مصانع الشعب ومقدراته تحت مسمى الخصخصة، فلمَ يؤدي المواطن ثمن تلك الصفقات؟ ويضخ قوته وقوت عياله في جيوب الكمبرادوريين ليملأوا بها بنوك سويسرا، أليس الأولى أن تصير تلك الأموال إلى تنمية الوطن تبني مدارسه وتؤسس مستشفياته، ونهضته.

لقد اكتشف الشعب اليوم وعن طريق الصدفة أنه الحلقة الأقوى داخل هذه المنظومة المعقدة من الفساد والمحسوبية، كما أظهرت كذب الحكومة وعدم اهتمام الزمرة الحاكمة بشعب قُدِّر عليه أن يُحكم من طرفهم. وبدأت أصوات تنادي بمحاسبة محتكري السلع والمستفيدين ومن الريع، وتحرير السوق الوطني نحو منافسة حقيقية ونزيهة، فلسنا في ضيعة أحد ولن نكون، وأن شعب المغرب الأبي ليس جموعا من العبيد لا حول لها ولا قوة أمام احتكار السوق الوطني من طرف هؤلاء ليزدادوا تغولا على حساب جهد العمال، وقوت الفلاحين وجيوب الفقراء.

إن المتابع البسيط يدرك أن مطالب الناس في خفض الأسعار منطقية ومشروعة ولا تثير أيه مشاكل أو مخاوف كما تروج الحكومة، لكن الخوف الأكبر من إدارتها السيئة للمشكل وانحيازها للأصحاب الرساميل على حساب شعب المغرب كله، ما يكرس توسيع الهوة بينها وبين الشارع الذي طالما أحس بالغبن والغدر من طرف أشخاص وضع ثقته فيهم؛ وأجلسهم على كراسي المسؤولية ليسهروا على الدفاع عن حقوقه وتمثيله أحسن تمثيل، فاتساع الهوة بين الشعب وممثليه سيجعله يفقد الثقة فيهم وسيؤدي ذلك إلى استعداءه، ما سيجعله يفكر في أشكال أخرى للمقاطعة التي كان آخرها مقاطعة الأسماك المغربية التي تضاعف ثمنها بفعل مضاربات ذوي النفوذ في الدولة أكثر من 300 بالمئة في رمضان، في بلد تمتد سواحله على طول 3500 كيلومتر، ذات مصايد تعد من الأغنى في العالم، ولا يتجاوز معدل استهلاك الفرد فيه معدل استهلاك بلد داخلي كمالي وتشاد.

وانطلاق دعوات لمقاطعة مهرجان موازين الذي يرى فيه الناشطون المغاربة تبذيرا لملايين الدولارات، ويرون أن آمال المغاربة وآمالهم أحق بها. والله أعلم أين سترسو سفينة المقاطعة الشعبية، فقد تمتد إلى مقاطعة الانتخابات التي لا تأتي إلا بأعداء للشعب بدل المدافعين عنه، أو قد يتطور الأمر مع اشتداد الأزمة الاقتصادية إلى شكل من أشكال العصيان المدني، والأهم في هذا كله هو المغرب واستقراره، ومن هنا نوجه دعوة إلى أصحاب القرار والغيورين على مستقبله واستمراره، ونقول لهم إن استمرار دولتنا أكبر من كل شيء أكبر من أكبر وزير أو حفنة مليارديرات، ونقول لهم لا تستعْدُوا جماهير الشعب لإرضاء عديمي ضمير حلبوا البلد وأفقروه، لا تسمحوا للثروات الشعب أن تتركز في أيديهم، اكسبوا حب الشعب فهو لا يطلب الكثير يطلب عيشا كريما وثقة في المستقبل، لا تنسوا أن الدماء الزاكية للمغاربة الأحرار هي التي سقت شجرة دولتنا حتى أصبحت ما هي عليه اليوم، وانهيارها أو تهديد اسقرارها هو أكبر خيانة لتلك الدماء.

لكن مع تعالي دعوات رفع الدعم الحكومي عن المواد الأساسية، ورفع المجانية عن التعليم، والتساهل مع الفاسدين، وانتهاج سياسة الأذن الصماء، وخروج وزير الحكامة متظاهرا ضد الشعب، كل ذلك لا يؤشر إلى مصالحة قريبة بين الشعب وحاكميه، بل ينذر بعصر جديد من الاحتجاج، ولا يسعنا إلا أن نقول حفظ الله المغرب.

 

سعيد ايت غانم

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ولد السالك

    الغضب الشعبي هو ضد الشركات الجشعة التي لا تشبع من الأرباح، أما المخزن فهو نظامنا و أسلوب الحكم لدينا و رمز استقرارنا من طنجة إلى الكويرة.

  2. القمري  ( الامبراطورية المغربية  )

    المقال لم يذكر ولا في اي فقرة كلمة المخزن ... ولمن دسها نقول نحن المغارة كلمة المخزن بالنسبة لنا تعني الكثير كلمة هي فخر لانها تمثل امجاد 13 قرنا صنع فيها المغرب بشعبه و مخزنه الذي خرج من الشعب فبنوا امبراطوريات شاسعة ارتعدت لها فرائس اوربا يوم كان البعض لازلوا يسرحون الجمال في البراري و صنعوا حضاراة يعرفها الشرق والغرب و انحنى لها بقية العالم بالاحترام ..... فكلمة المخزن هي فخر لنا ولا تعني للمغاربة في اي لحظة من اللحظات عالمين مختلفين او متناقضين ارجو ان تكون هذه الفكرة وصلت لمن يهمه الامر ...... المغاربة واعون بشكل عميق ان المسار الاقتصادي الذي يسير عليه المغرب مسار صحيح لكن يحتاج الى سرعات اكبر وعمل جدي اكثر ......الا ان الاشكال يكمن في كفية توزيع الثروة ليستفيذ منها الجميع كافراد وكجهات و من هنا بدات الحرب على اولائك الذين يريدون ان يغمطوا الشعب المغربي في حقوقه .....الحكومة اولا باعتبارها او المفروض انها تمثل الشعب ومصالح الشعب والتي ابانت على انها بعيدة عن ذالك بعد السماء عن الارض وبالتالي وجب محاصرتها و اسقاطها ...... وثانيا الباطرونا واصحاب الشركات وخاصة فئة خاصة معروفين بالاسم والذين اقاموا زواجا غير شرعي مع السلطة بهذف الاحتكار والنهب وتكديس الثروات على حساب قوت الشعب وهؤلاء هم من الشعب الان يقاطعهم وسيحاربهم حتى يخضعوا لارادته ويعودوا عن غيهم ..... المغاربة شعب واعي جدا يستطيع ان يميز بين الامور وتحديد هذفه بدقة والتعامل مع الامور بصبر وانات وسيحقق هذفه طال الوقت ام قصر حتى يرتدع من في نفسه جشع ويفهم ان الشعب ليس في دار غفلون وحتى يفهم من يتولى مسؤولية ادارة شؤون البلاد من الحكومات القادمة ان عين الشعب عليها اما ان تشتغل لحساب الشعب والا سيكون مصيرها رميها للمزبلة ..... اما محاولة الخلط بين اصحاب المال والحكومة والمخزن والملك فالدستور حدد للكل مجال عملهم وحدودهم ونحن واعون بذالك فلا داعي مرة اخرى لخلط الاوراق رجاء فلسنا اغبياء

  3. هي بداية حرب على الجشع و الطمع و اللوبيات الأخطبوطية التي لم تفوت الفرصة و أستولت على أماكن القرار السياسي و مقاليد الحكم، منذ ما سمي بالربيع العربي و قبله، و هي حرب مقاطعة تنتقل رحاها من منتوج لآخر و من شركة لأخرى دون إستثناء أي منها، لإعادة رد الإعتبار للمواطن كمحرك رئيسي لإقتصاد الوطن، لا كخروف للشي، أو بقرة حلوب يتم إطعامها ثم حلبها في حلقة لا تنتهي، هذا ليس وعياً و لا غضباً شعبيًّا ضد المخزن، فالمخزن نفسه ضحية لهذه اللوبيات، بسبب أخطاء السياسيين من قرارات سابقة لزيادة الإستدانة و لتحرير كل القطاعات الإقتصادية، و فرض التبعية الإقتصادية العمياء على المملكة و المفروضة من طرف البنك الدولي لحساب هذه اللوبيات التي تتحرك على شكل شركات إقتصادية كبرى من أبناك و مؤسسات مالية و شركات إنتاج محلية و دولية، و تتحكم في إستقرار الوطن عبر المواطنين، و السيولة النقدية. هذه الحرب نتيجة حتمية لوعي المواطنين المغاربيين أقول و ليس المغاربة فقط، بعدم صواب فكرة الإنتفاضة أو النضال المسلح ضد القيادة لما نتج عنه من دمار في اليمن، و ليبيا، و سوريا، و العراق، ثم من نهب للذهب و التاريخ و خيرات هذه الأوطان الباطنية، و دمار لا تكفيه حتى 30 سنة أخرى من الإعمار و المصالحة الوطنية، إن بقيت الأوطان دون تقسيم، و السعودية أيضاً تعتبر من أكبر البلدان المنكوبة في العالم الإسلامي دون أن تنطلق رصاصة واحدة على أرضها، نظرًا لما تم نهبه من طرف أمريكا " بتواطؤ من حكامها " من ملايير خيالية مما تم الإعلان عنه " 500 مليار دولار  ! " و ما تم في الخفاء مما يجعل المواطن السعودي مِلكاً لغيره، بمجرد ولادته، و ربما عن قريب في الأردن لولا عملية الإمتصاص للأزمة عبر مساعدات قطر بتوفير 15000 منصب شغل لفائدة الأردنيين بقطر، دون ذكر ما دونها من محاولة لدول المثلث الشيطاني الخليجي و التي تعتبر في ظاهرها مساعدة و في باطنها بشكل مرساة سفينة لجلب الأزمة لقاع الفوضى و الدمار و نقل رحى الحرب و عدم الإستقرار من سوريا إلى الأردن. مقاطعة حضارية مباركة.

الجزائر تايمز فيسبوك