وهران جنة الفقراء وعاصمة غنية بتاريخها وثقافتها وفنانيها

IMG_87461-1300x866

وهران عاصمة الغرب الجزائري، وهي ثاني أهم مدينة في البلاد بعد العاصمة، هذه المدينة الغنية بتاريخها وثقافتها وفنانيها على مر العصور تحتل موقعا رئيسيا في خريطة الجزائر، فيكفي أن يذكر اسمها لتتبادر إلى الذهن آلاف الصور والأسماء والأحداث والأنغام، سميت الباهية وعاصمة الراي ومدينة المسرح، لكن اسمها يختزل كل هذا وأكثر.
تقع وهران غرب البلاد وعلى بعد 400 كيلومتر عن العاصمة، وهي قطب اقتصادي وبحري وسياحي مهم، على مر العصور، ويبلغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة، وقد أثبتت البحوث أنها كانت موقع نشاط بشري خلال فترات ما قبل التاريخ، وقد عثر فيها على بقايا عظام بشرية تعود إلى 400 ألف سنة، كما تم اكتشاف كهوف ومحاجر تعود إلى العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث، وكانت هناك حضارات بالقرب من وهران يعود تاريخها إلى ما قبل حوالي 20 ألف سنة، مثل الحضارة الإيبرومويسية، والتي شملت منطقة المغرب العربي، قبل أن تظهر حضارة قبصية قبل حوالي 10 آلاف سنة.
كشفت البحوث أن اليهود قدموا إلى منطقة وهران مع استقرار الفينيقيين فيها، وتشير المقبرة اليهودية الموجودة في المدينة إلى أن اليهود قدموا إليها ما بين القرن الرابع والأول قبل الميلاد، وقد تعاقبت عليها عدة حضارات، مثل الرومانية التي اختارت من مرسى الكبير ميناء لها، وكان يسمى الميناء الإلهي، وكانت منطقة وهران تسمى «يونيكا كولونيا» والتي تعني المستعمرة الفريدة، وما زالت التماثيل الرومانية التي تشهد على تلك الحقبة موجودة حتى الآن، ولكن المدينة سقطت مع انهيار الامبراطورية الرومانية، قبل أن تفتح على يد المسلمين سنة 645 بعد الميلاد. وتأسست وهران كمدينة سنة 902 على يد بحارة أندلسيين، بدعم من أمراء قرطبة، فعادت المدينة لتكون قطبا تجاريا وبحريا مهما.
لم يهدأ لوهران بال، حتى بعد الفتوحات الإسلامية، إذ كانت محل نزاعات بين الأمويين والفاطميين، إذ دام الصراع أكثر من مئة عام، وظلت تتأرجح بين سيطرة هؤلاء وأولئك، وفي سنة 1077 سقطت بيد يوسف بن تشفين مؤسس دول المرابطون، وبقيت تحت سيطرته قرابة سبعة عقود، وبعدها سقطت مجددا في يد الدولة الموحدية، وعرفت المدينة بعد ذلك مرحلة استقرار وازدهرت التجارة.
وبعدها خفت وهج الدولة الموحدية، وظهرت ثلاث سلالات حاكمة، وهي الحفصيون والزيانيون والمرينيون وظلت محل صراعات وأطماع، ورغم ذلك لم تتوقف المدينة عن الازدهار، وشهدت قدوم العديد من الكتاب والأدباء الذين أقاموا فيها فترة وقالوا فيها كلاما جميلا، مثل الإدريسي، وليون الافريقي، وابن خلدون الذي وصفها بأنها جنة التعساء، لأن الذي يأتي إليها فقيرا يغادرها غنيا، وربما صدقت هذه المقولة بالنسبة للبعض حتى أيامنا هذه!
تحولت بعد ذلك وهران إلى قبة للمهجرين، فأتى إليها اليهود الذين رحلوا من اسبانيا سنة 1391 ولحقت بهم قوافل أخرى سنة 1492 بعد صدور مرسوم الحمراء، وكانت وهران في تلك الحقبة تتمتع بنوع من الاستقلالية عن دولة الزيانيين، وفي صراع معها، بسبب رفض سكانها وصاية الدولة الزيانية وسلطتها، كما استقبلت المدينة عددا من اللاجئين الفارين بعد سقوط الأندلس، قبل أن تتحول موانئها إلى نقطة انطلاق لعمليات الانتقام التي استهدفت اسبانيا المسيحية، الأمر الذي جعل الأخيرة تقرر ضم عدد من الموانئ الجزائرية إلى سيطرتها، والتي بقيت الكثير منها تحت سيطرتها، حتى بعد دخول القوات العثمانية إلى الجزائر، وإجلائها القوات الإسبانية عن الكثير من الموانئ الجزائرية، باستثناء ميناء وهران وميناء مرسى الكبير، وظلت مدينة وهران تحت حكم العثمانيين إلى غاية دخول الاستعمار الفرنسي إلى البلاد سنة 1830.

حقبة الاستعمار الفرنسي

وصلت القوات الاستعمارية الفرنسية إلى وهران بداية 1831 أي بعد أشهر قليلة من دخولها عاصمة البلاد، وحسب إحصاء قامت به السلطات الاستعمارية فإن عدد سكانها كان 3865 نسمة، بينهم 2876 من اليهود، و730 من الأوروبيين، و250 من المسلمين، في حين تحدثت مصادر أخرى عن وجود أكثر من 18 ألف نسمة، الأمر الذي يشكك في الطريقة التي اعتمدتها السلطات الاستعمارية في إجراء إحصائها.
ورغم أن حكم «الدايات» استسلم للقوات الغازية، إلا أن المقاومة الشعبية انطلقت ضد القوات الفرنسية مباشرة بعد دخولها، وفي الغرب تحديدا ظهر اسم الأمير عبد القادر ابن محي الدين الذي شارك في أولى عمليات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، بداية من عام 1832وتكررت الصدامات بين الحامية الفرنسية والقوات التي قادها الشيخ محي الدين ونجله عبد القادر، الذي ذاع صيته وتلقى المبايعات من مختلف المناطق والقبائل، واعترف به أميرا للمؤمنين وقائدا للمقاومة ضد الاستعمار.
ورغم الاستعمار الفرنسي الذي أخضع المدينة بالقوة، وسحق سكانها الأصليين، كغيرهم من الجزائريين، الذين كان يعتبرهم «أنديجان» (الأهالي) أي مواطنين من الدرجة الثانية، إلا أن المدينة تطورت بسرعة، فعدد سكانها فاق الـ 100 ألف نسمة مع مجيء عام 1890 وأصبحت مدينة زراعية، إذ تم التوصل إلى نوع هجين من البرتقال بدون بذر وهو «الكليمونتين» وازدهر نشاط ميناء وهران بشكل جعله الميناء رقم واحد في المنطقة، إلى درجة أن وهران احتلت المركز الخامس بين المدن الفرنسية.

حرب التحرير

رغم أن وهران تظل في المخيال الشعبي أنها كانت دائما بعيدة نسبيا عن الأحداث الدامية التي عرفتها البلاد، خلال الثورة وبعدها، إلا أن المدينة الساحلية كانت حاضرة في مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها البلاد، ولعل من بين العمليات التي حملت اسمها «عملية بريد وهران» سنة 1949 عندما هاجمت المنظمة السرية التي أسسها حزب الشعب الجزائري كذراع مسلح مكلف بالعمليات الخاصة، وهي العملية التي قادها الرئيس الراحل أحمد بن بلة وشارك فيها أيضا الزعيم الراحل حسين آيت أحمد وبلحاج بوشعيب وبوجمعة سويداني ومحمد بن زرقة وحمو بوتليليس، إذ تمت سرقة سيارة طبيب فرنسي واتجه بها رجال المنظمة الخاصة إلى بريد وهران الذي دخلوه بكل هدوء وأشهروا أسلحتهم، واستولوا على كل الأموال الموجودة في داخله، وهي الأموال التي تم بها شراء حوالي 700 قطعة سلاح ساهمت في انطلاق ثورة التحرير في الأول من نوفمبر 1954.
عند اندلاع ثورة التحرير تم تكليف العربي بن مهيدي بقيادة الولاية الخامسة التي تشمل وهران والمدن المحيطة بها، ولكن بعد مرحلة قصيرة اختار بن مهيدي ترك مهمة قيادة الولاية الخامسة إلى عبد الحفيظ بوصوف الذي سيقوم بعد ذلك بسنوات قليلة بتأسيس أول جهاز استخبارات جزائري، لعب دورا مفصليا في دعم جهود الثوار وكان نواة لجهاز الاستخبارات العسكرية الذي تأسس بعد الاستقلال، كما اختار تكليف أحمد زبانة بتولي مسؤولية مدينة وهران، وبعد معركة ضارية في غار بوجليدة بالقرب من مدينة معسكر، وقع أحمد زبانة في الأسر، وسجن في وهران ثم نقل إلى العاصمة، وحكم عليه بالإعدام ونفذ فيه الحكم، ليكون أول شهيد نفذ فيه حكم الإعدام بالمقصلة، وبعد سنتين قررت السلطات الاستعمارية وقف الإعدام بالمقصلة، بعد الجدل الذي أثارته جريمة إعدام زبانة.

بعد الاستقلال

وظلت المدينة تدفع ثمن تحرير الأرض حتى الأيام الأخيرة من الاستعمار الفرنسي للجزائر، وحتى بعد استفتاء تقرير المصير سنة 1961 علما أن وهران كانت آخر قلعة احتمت بها المنظمة المسلحة الخاصة التي أسسها الأوروبيون في الجزائر لتنفيذ جرائم ضد الجزائريين وضد الفرنسيين الموافقين على استقلال الجزائر وجلاء القوات الاستعمارية عنها، وقد نفذت هذه الجماعة عدة عمليات في المدينة، قبل أن تخضع للأمر الواقع وتغادرها مدحورة، ولكن فرنسا وقبل أن تغادر، أصرت على الاحتفاظ بميناء مرسى الكبير باعتباره قاعدة بحرية كبيرة واستراتيجية لمدة 15 سنة في شكل إيجار، لكن الرئيس الأسبق هواري بومدين قرر استرجاعها عام 1967 أي بعد مرور 5 سنوات على استقلال البلاد.

حرب الإرهاب

خلال التسعينيات عاشت المدينة كغيرها من مدن البلاد موجة الإسلام السياسي، التي انتشرت في السر خلال الثمانينيات، وانفتحت أمامها الأبواب مع بداية التسعينيات، مستغلة حالة الغضب الشعبي والاحتقان الذي خلفته عقود من حكم الحزب الواحد، الذي كرس الرداءة والمحسوبية والجهوية وكل الأمراض التي ما تزال أغلبيتها موجودة حتى أيامنا هذه، وبالتالي كان الإسلاميون وخاصة حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ يظهر أنه البديل الجذري للنظام القائم، لكن سرعان ما وقع الصدام بين نظام كان يظهر كل أسباب الوهن والجبهة الإسلامية التي أظهرت كل أسباب القوة والتحدي والغطرسة أيضا، وكانت النتيجة استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد وإلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات البرلمانية التي جرت في 26  ديسمبر 1991 وفاز فيها الإسلاميون، وأعلنت حالة الطوارئ، وراح النظام يبحث عن مخرج دستوري للأزمة التي وضع نفسه فيها، وكانت النتيجة التوصل إلى فكرة مجلس رئاسي خماسي يقوده محمد بوضياف، الشخصية التاريخية، لكن بوضياف اغتيل في 29 يونيو 1992 في مدينة عنابة، وانفتحت شلالات الدم وعم الخراب والدمار لأكثر من عشر سنوات.

سنوات الدم

ورغم أن معظم العمليات الإرهابية خلال تلك السنوات تمركزت في الشرق والوسط مستفيدة من التضاريس الجبلية والغابات المنتشرة في تلك المناطق، فإن وهران لم تسلم من بطش الجماعات الإرهابية، التي شنت حرب تصفية ضد رموز الفن والثقافة، وكان من بين هؤلاء اسمان كبيران هما عبد القادر علولة أحد قامات المسرح الجزائري، والشاب حسني واسمه الحقيقي حسني شڤرون أمير أغنية الراي.
ويعتبر علولة واحدا من أبرز المسرحيين الجزائريين، فقد ولد في مدينة الغزوات ودرس في فرنسا، وكان من مؤسسي المسرح سنة 1963 أي بعد حوالي سنة من الاستقلال، وقدم على مدار سنوات أجمل المسرحيات مثل «الفوال» سنة 1980 و»الأجواد» سنة 1985 و»التفاح» سنة 1992 و»أرلوكان خادم السيدين» ولكن يد الإرهاب امتدت واختطفته في العاشر من مارس 1994 أما حسني شقرون أمير أغنية الراي، فهو ابن حي فامبيطة الشعبي في وهران، ورغم أن حسني الطفل كان يريد أن يكون لاعب كرة قدم، ومارسها في أحد الأندية المنتمية إلى القسم الثاني، إلا أن إصابة تعرض لها جعلته يقرر الابتعاد عن الملاعب، وأثناء مكوثه في المستشفى كان يستمع لأغاني فريد الأطرش، ليتحول بعدها إلى أمير أغنية الراي وملك الأغنية العاطفية دون منازع، وتزامنت الفترة التي صعد فيها نجم حسني مع تزايد مد الإرهاب والتطرف، فكانت أغانيه التي تحكي عن الحب والحرمان والشوق والمشاكل الاجتماعية والحلم في الهجرة بمثابة مصل حياة بالنسبة لملايين الشباب، ورغم الظروف الأمنية الصعبة، إلا أنه فضل البقاء في الجزائر ورفض الرحيل، إلى غاية أن اغتيل في 29  ديسمبر 1994 أي بعد أشهر بعد اغتيال علولة. رصاصات غادرة أطلقت على حسني الذي كان يقف أمام مدخل حيه فامبيطة، لتبقى علامات استفهام كثيرة تلف جريمة الاغتيال هذه، رغم أن الجماعة الإسلامية المسلحة أعلنت تبنيها للعملية.
ورغم مرور قرابة ربع قرن على اغتياله يبقى حسني حاضرا في وجدان ملايين الجزائريين، سواء الذين عاشوا فترة شبابهم في تلك الفترة وتأثروا بأغانيه، أو حتى بالنسبة للأجيال التي جاءت من بعده، خاصة وأن الكثير من فناني الراي اختاروا هذا الطابع الغنائي بسببه.
ورغم أن مدينة سيدي بلعباس هي التي شهدت ظهور أغنية الراي في شكلها الحالي، إلا أن وهران وملاهيها هي التي أنجبت كبار نجوم هذا الغناء الذين بلغوا العالمية، خاصة الشاب خالد والشاب مامي، وأنجبت فنانين آخرين أمثال بلاوي الهواري الذي يعتبر من أعلام الأغنية الجزائرية، وتعتبر أغنية «بختة» من أجمل أغانيه، وهي التي أعاد الشاب خالد أداءها وحققت نجاحا تجاوز حدود الجزائر، كما أنجبت المدينة عددا كبيرا من الفنانين في التمثيل والغناء، وتبقى خزانا للمواهب الفنية، فقد كانت في تسعينيات القرن الماضي باعثة للبسمة على وجوه الجزائريين من خلال مسلسلات فكاهية مثل «بلا حدود» التي فتحت أبواب الشهرة أمام ممثلين مثل مصطفى هيمون ومحمد حزيم وحميد شنين، والتي جعلت اللهجة الوهرانية مرادفة للابتسامة.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. كافكا

    لا تلوميني يا وهران  (اغنية لشاب وجدي / وهراني  ) لا تلوموني يا وهران أنا مثلك غدر بي الزمان انظر الى هذا الذي يحكمك فهو يحكمني أيضا و يحكم قبضة العنان اذن لا تلوموني ان غيبتني الحدود و حملت عار الجدود ولم أحضر في الأوان حفلات الزفاف الجنازات العائلية اقرباء لنا يحتضرون و بهجة الأهل اذا اللقاء حان . لا تلوميني فان عبرت الحدود و مشيت في أرض الجدود سيقبضون علي بالجرم مدان و سيستنفر الحرس الوطني و على عجل تجتمع قيادة الاركان و يصدر بلاغ ما بعد الالف من رئاسة الديوان عن ارهابي متسلل من بلد شقيق يريد زعزعة الامن و الامان سيتنطقون المسام في جلدي و ينزعون من فمي الاجوبة كما تنزع الاسنان و يفتشون في اغراضي و لن يجدوا الا بطيخا و بطاطس و رمان وحلويات طبختها أمي عربون محبة للعائلة في الختان لكن في أخبار المساء سيعلن عن تفكيك خلية يقودها بشر في صفة شيطان . فلا تلوميني يا وهران ان كنت ضعيفا و بليدا و لا قدرة لي على محو خطايا التاريخ و الجغرافية و الزمان لا تلوميني حتى و انا ابتعد عنك احس انني مدان 31/01/ 2017

الجزائر تايمز فيسبوك