المغاربة بدون بوصلة بشأن التعليم

IMG_87461-1300x866

«المغاربة حائرون» هو الوصف الأمثل للجدل الدائر وسط المغاربة حول إقحام مصطلحات من الدارجة «العامية» إلى مقررات التعليم التي هي رسميا باللغة العربية التي تعتبر اللغة الرسمية للتعليم رفقة الفرنسية. وهذا الجدل رغم ما يرافقه من تشنج واتهامات وتعاليق تكون أحيانا عنيفة، فهو ينم عموما عن غيرة حقيقية للكثير من المغاربة بشأن مستقبل التعليم الذي هو مستقبل البلاد.
ويعتبر المغرب من الدول التي فشلت في إرساء نموذج للتعليم، ليس فقط مثاليا، بل مقبولا نسبيا، لتطوير المجتمع المغربي. وهذا الفشل الذي يعترف به الجميع، ملك البلاد محمد السادس والحكومة والمغاربة والتقارير الدولية، وجعل البلاد في المركز 123 في التنمية البشرية عالميا، يتجلى في ثلاثة مظاهر، تختلف في أهميتها وثقلها وهي: تحقيق لغة التعليم الأمثل للتواصل المعرفي، مضمون البرامج الدراسية، وفي ارتباط بهذه النقطة الثانية عدم مواكبة التعليم لسوق الشغل.
المغرب يعتبر بشريا وثقافيا فسيفساء من مختلف الإثنيات بين العربية والأندلسية والأمازيغية بشتى فروعها من ريفية وسوسية ومنطقة الأطلس. وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن باقي شعوب المنطقة، بحكم أنه يقع جغرافيا في منطقة تعد معبرا للتيارات التاريخية، إثنيا وثقافيا. ويتمظهر هذا الغنى الإثني في تعدد اللغات واللهجات المنتشرة في مناطق البلاد. وقليلة هي الشعوب التي جعلت من تعدد اللغات رافعة للتقدم، بينما الأخرى فشلت في هذا الشأن، بل وتحول هذا الغنى اللغوي واللهجات إلى نقمة سياسية مثل الانفصال. ويحصل أن تكون نقمة ونعمة، كما هو الحال في إسبانيا، إذ تعتبر اللغة الكتالانية نعمة لمساهمتها في تطوير منطقة كتالونيا، وتعد نقمة لتحولها إلى ركيزة أساسية للانفصال.
ولم ينجح المغرب منذ عقود في تطوير وبلورة نموذج لغوي مقنع للتعليم. في هذا الصدد، تعد الدارجة (العامية) هي لغة التواصل وسط المجتمع، وتبقى العربية هي لغة التعليم الرسمية في معظم الأسلاك التربوية، والفرنسية هي لغة التدريس الثانية، خاصة العلوم، علاوة على أنها لغة الطبقة المهيمنة اقتصاديا، وانضافت مؤخرا وبشكل محتشم الأمازيغية. وهناك فرق بين الدارجة والعربية، رغم أن الأولى استوحت كثيرا من العربية بتوابل محلية. كل هذا يزيد من صعوبة التلقين عكس دول أخرى، إذ أن لغة التدريس في حالة إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، بل حتى دول من آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية، هي نفسها تقريبا اللغة المستعملة في الحياة اليومية، ما يسهل التلقين واكتساب المعرفة. والسر في ذلك مراكمة هذه اللغات للمعرفة المتمثلة في وجود مئات الآلاف من الكتب في معظم التخصصات، بفضل الإنتاج الفكري والعلمي وبفضل دينامية الترجمة الممتدة منذ قرون.
ورغم قدمها كلغة، فقد عجزت العربية عن أن تكون لغة المعرفة خلال القرون الأربعة الأخيرة، بسبب قلة المؤلفات والانغلاق. والتساؤل: هل ستساعد الدارجة أو الأمازيغية على تجاوز هذا الحاجز؟ بطبيعة الحال، إذ لا يستحسن التدريس بلغات لا تتوفر على أرشيف معرفي ممتد تاريخيا، إلا في حالة فرض إجبارية هذه اللغة رفقة عملية ترجمة جبارة، مع انتظار النتائج بعد مرور جيل كامل.
في غضون ذلك، لم يأخذ المغرب الرسمي قضية التعليم بجدية حتى العقد الأخير، بعدما تبيّن له مدى ارتباط تردي الوضع الاجتماعي والسياسي، نتيجة لتردي التعليم، وما قد يجلبه من مشاكل بنيوية على النظام الحاكم واستقرار البلاد. إذ لفظت المدرسة العمومية خلال العقد الأخير قرابة ثلاثة ملايين شاب بدون تعليم وتكوين يساعدهم على الاندماج، ويعدون قنبلة اجتماعية بدأت تنفجر تدريجيا. ويحصل هذا في وقت ينتقل فيه العالم إلى ما هو رقمي بمفهومه الواسع في التعليم والتواصل، لكن الدولة المغربية فقدت بوصلة إصلاح هذا الحقل لسببين، الأول وهو متشعب ويتعلق بسوء اختيار أعضاء اللجان المكلفة بإصلاح التعليم: فقد عينت الدولة أشخاصا لا علاقة لهم بالتعليم، وعينت آخرين لم يسبق لهم الدراسة في المدارس العمومية ولا يدرس أبناؤهم في هذه المدارس، بل في المدارس الأجنبية، ولاسيما الفرنسية. لقد استغرب الرأي العام المغربي استبعاد أسماء وازنة في الحقل الثقافي المغربي من لجنة إصلاح التعليم، مثل المفكر عبد الله العروي وحضور أسماء أخرى باهتة معرفيا. ويبقى ترموميتر الاختيار هو درجة الولاء الأعمى للسلطة، هذا الولاء بدون روح النقد الذي أوصل البلاد إلى الهاوية. يضاف إلى هذا، لم تكلف الدولة نفسها الاطلاع على نماذج الدول التي كانت في مصاف المغرب في السبعينيات، مثل كوريا الجنوبية والآن تتوفر على أنجع البرامج التعليمية، ما بوأها مكانة محترمة وسط المنتظم الدولي.
والسبب الثاني يتمثل في تطبيق سياسة التقشف على التعليم، تطبيقا لتوصيات صندوق النقد الدولي. ولعل من الجرائم التي ارتكبتها الدولة بكل مكوناتها هو تبني سياسة التعاقد المؤقت مع الأساتذة، حيث تم خلق جيش من المربين غير المستقرين بأجور زهيدة، وهذا يدفع الى الإضرابات والاحتجاجات المتتالية، كما يحصل الآن، ليكون الضحية هو التلميذ وفي آخر مستقبل المطاف الوطن.
إن مأساة التعليم في المغرب هو انغماس الأغلبية في نقاش عقيم بشأن وجود مصطلحات من العامية المغربية في المقررات الدراسية. طرف يعتبر ذلك مؤامرة لضرب هوية البلاد، وطرف ثان يرى في إدماج مصطلحات من العامية عين العقل لتسهيل التلقين المعرفي. يحدث هذا في وقت تناقش فيه بعض الأمم الرقي بالتعليم الى مستوى الإبداع وليس التلقين فقط، بعدما اتضح لها أن الكثير من المبدعين في المجالات الحيوية للعالم اليوم مثل المعلوميات، لم يكونوا نتاج برامج تعليمية صارمة، بل نتيجة حرية الإبداع مثل حالة بيل غيتس الذي منح العالم برامج ويندوز. كما تناقش كيفية المحافظة على التعليم قاطرة الإدماج الاجتماعي واستمراره قطارا للرقي الطبقي.
مأساة المغرب في التعليم هو افتقاره لمخطط طويل المدى يأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المعرفية للبلاد، التي تدفع به نحو التقدم، مخطط يغطي جيلا كاملا ويتم بين الحين والآخر تقويمه وليس تغييره جذريا، كما يحدث حيث تحول قطاع التعليم الى مختبر تجارب بدون بوصلة. مأساة المغرب هي غياب النظرة الاستراتيجية البعيدة المدى وهيمنة نظرة «المياوم» على قرارات الدولة.

 

د. حسين مجدوبي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. DEUX ENNEMIS JURES DE LA LANGUE ARABE. Bengharbite en Algerie et Ayouch au Maroc les deux ennemis jures de la langue arabe qui reveraient peut etre de faire disparaitre a jamais la langue arabe de l'enseignement des ecoles des deux etats maghrebins pour des raisons opaques et incomprehensibles. On aurait commence au Maroc parait-il par faire disparaitre de l'ancien livre de lecture du primaire la "Dou3a" qui y existait toujours avant en premiere page . La guerre ne serait pas declaree donc contre la langue arabe mais contre tout ce qui serait en rapport avec la religion officielle du pays qui est l'Islam. Le fameux Ayouch chercherait a suppprimer la langue arabe classique ,la langue du saint Coran pour la remplacer par la darija le dialecte marocain, un complot ourdi qui se trame pour detruire l' avenir des generations montantes issues des milieux defavorises. Ce desatre "made in Ayouch"un individu aux idees bizarres ,ne concernerait et ne toucherait pas bien entendu les enfants des riches et des milieux aises dont les enfants frequenteraient des ecoles privees de haut niveau tres coute uses pour le primaire et le secondaire et les ecoles prestigie uses a l' etranger apres le bac. Le peuple marocain d' en bas est vcitime en plus des abus des requins de A3faret et tamasseh d' un cote qui detruisent son pouvoir d' achattres faible et aussi victime de certains arrivistes aux intentions nocives et nefastes pour la societe ,qui sortent de nulle part pour tenter detruire l 'avenir des generations entieres de fils de pauvres et demunis a travers des programmes d' enseignement primaire batards et destructifs. La societe civile et les partis politiques ainsi que le PJD complice qui devraient reagir avec force, pour sauver l' avenir du pays que sont les enfants du peuple ,intervenir pour empecher cette catastrophe aux con sequences dramatiques restent muets et ne soufflent mot contre ce desastre ayouchien et s'abstiennent bizarrement de denoncer le complot qui se trame contre le pays et les generations montantes. Le pays va droit sombrer dans le neant ,que Dieu preserve le pays de ses traitres de fils hypocrites, lesquels pour des raisons opaques et incomprehensibles mais dangere uses chercheraient a le detruire.

  2. طرابلسي

    هذه محاضرة للداعية الإسلامي محمد العوضي يتحدث فيها عن محاربة الأنظمة المستبدة لكتاب الله وسنة نبيه في تونس ويعطي الشيخ لمحة مما عاناه المسلمون زمن الطغاة وخوفنا كل الخوف أن يتواصل هذا القمع والظلم تحت إسم الديمقراطية والحرية https://www.youtube.com/watch?v=8AbhQWXodCY

  3. كافكا

    التعليم كما عايشته (44 ) أكاذيب الاصلاح التربوي يقومون بحملات تعليمية و اعلامية و مؤسساتية من اجل إقناع جمهور المعلمين الحائر و جمهور المتعلمين اللامبالي و اللاملتفت  (ان صح التوصيف ) بجدوى الإصلاحات التربوية المستعجلة و فوائدها لانهاء هاته الازمة المستدامة في نظامنا التعليمي . يروجون كثيرا للإصلاح .و لكن أي إصلاح ؟ إصلاح بدون معلم . يتم إعداد خدمة مهنية للتدريس و لن نفاجأ في المستقبل إذا رأينا و عايشنا مراكز التكوين المهني الدنيا يعهد إليها بتكوين معلمين لإعداد رجال المستقبل ...و لماذا كل القرارات الإدارية تصب و تسير نحو إعطاء المدارس الاستقلال الذاتي في تدبير أمورها ؟ الإصلاحات التربوية الأخيرة لا ترفع من جودة التعليم العمومي كما تدعي بل أنها لا تلتزم باحترام حقوق المدرس . هل التعليم في ملك الجميع ؟ فرغم التأكيد على عموميته فان الإصلاحات الأخيرة التي عرفها هذا الحقل المفروض انه مشاع ، إصلاحات تستمد روحها و جوهرها من الخصخصة . الخطوات المقبلة و التي سيفسح عنها الإصلاح هي قوانين تقويم المعلمين ،الذين سيحدون من هامش حرياتهم و إبداعاتهم ليكون ممتثلين للمتطلبات التي تعتبر ضرورية لتعليم "الجودة" و توفير تعليم "جيد" .. في الوقت الذي يقولون انهم يقدمون إصلاحا تربويا هم في الحقيقة يقدمون إصلاحا عماليا (مشتق من العمل ) ، و يزرعون الشك و الارتياب و الجهل بالمستقبل في المعلمين ، و عدم اليقين في مصدر دخله الوحيد و في ترقيته و أدائه كمعلم و مربي . و كدليل على الروح الاستبدادية للإصلاح لم تطلق على المستوى الرسمي حملات واسعة للتعريف به كما انه لم يكن هناك تشاورات و توافقات عليه أثناء إعداده و أثناء الترويج له و لم يكن هناك نقاش كاف له في المنتديات و الإعلام . لا الملصقات و لا الاشهارات في الدليل السياحي لوزارة التربية الوطنية و لا التصريحات الإدارية كانت خارطة طريق واضحة المعالم شرحت لنا كيف سنحقق الأهداف المعلنة لهذا الإصلاح في أفق 2030 ؟ و شخصيا لدي اليقين أن لا شيء سيتحقق لان معظم التعديلات التي يدخلونها الآن هي في الحقيقة تسير في الاتجاه المعاكس لما اتى به الميثاق و يخطط للسعي له . إن الإصلاح التربوي ليس له مشروع تعليمي واضح و يفتقر الى التنزيل و التطبيق الواضح . و ليس لدينا ادني فكرة إلى أين سيقودنا هذا الإصلاح و لا يجيبنا عن كيفية حل أهم مشاكل القطاع البيداغوجي فهو مثلا لا يعطينا حلولا لوضع حد لللامساوات و لا التخلف التربوي التعليمي الموجود في البلد ...؟ في الحقيقة ما تم إصلاحه ليس تربويا و إنما إصلاحا عماليا و إداريا مقنعا . ما تريده الدولة هو الاستفراد بكل المعلمين و المديرين و في كل شيء ، و نزعهم من يد النقابات ،لأنهم سيفقدون حقا مكتسبا :الاستقرار في العمل . على الرغم أن النتائج التعليمة و التربوية هي نتاج عدة أطراف و لا تعتمد حصرا على المعلمين ، إن الإدارة المنظرة و المخططة و المقررة للتعليم ترى أن التقدم التعليمي للتلاميذ هو شيء يخص المعلمين وحدهم ، و هم وحدهم المسؤولون عن هذا التطور و لهذا السبب إصلاحات عديدة أدخلت هدفها وضع آليات للسيطرة على مهنة التدريس عبر إبعاده أولا عن المشاركة في بناء تصور للمشروع التعليمي عدم الاهتمام الجدي بتكوينه و تدريبه لا حقا. ومن المثبط و المحرج و من المخزي ... ان نرى النظام التعليمي ببلادنا يدار كشركة خاصة .و لا يتحرك الا وفق توصيات و املاءات خارجية . منظمة التعاون الاقتصادية و الراعي الرسمي لعدد من المشاريع التربوية في العالم حذرت  (أنظروا معي هذا تحذير  ) من التهاون في ارخاء العنان للمعلمين و أكدت أنهم يجب أن يكونون خاضعين للمراقبة و خاضعين للمساءلة على أساس اختبارات موحدة ينبغي أن تسفر عن مكافئتهم بالبقاء في مناصبهم أو معاقبتهم بالفصل , و هذا بالطبع من اجل أن تكون المدرسة ذات تحفيز اقتصادي و لا يهمها التحفيز التربوي أو التعليمي أو الوطني . الوصفة الدوائية التي تحددها هاته المؤسسة لا تترك لنا مجالا للشك : بلدنا محتاج إلى نظام تقييم المعلمين على أساس معايير محددة ، مكافئة المعلمين الجيدين و تقديم الدعم للمعلمين ذوي الاداء المنخفض و فصل و استبعاد المعلمين ذوي الاداء المتدني الذين لا يبدون استعدادا لتطويره . و يجب خلق دائرة ل "التدريس المهني " تعترف بالأسس الموضوعية للمعلمين و ضمان وصولهم إلى الوظائف التعليمية ستكون وفق جهودهم و أدائهم الشخصي كما أنه ستساعد الأساتذة والمديرين والمشرفين على اليقين بوظائفهم والاستقرار فيها والظروف العادلة في تعزيز وظائفهم و سوف تكون هناك قواعد شفافة و واضحة و عادلة تضفي الطابع المهني على المعلمين و ضمان تعزيز حقوقهم .... كلام إصلاح يراد به تقنين و إمكانية فصل المعلمين و المديرين الذي لديهم موقف محايد او معارض ...بلغة أبسط : إعطاء مشروعية للطرد من المؤسسة لكل من لا يروق لهم بحجة عدم حصوله و تحقيقه مؤهلات كافية في التقييمات التي يتم تنفيدها . و من هنا خلق بيئة غير أمنة و يصعب الوثوق بها : الشك في الدوام في العمل و ما يترتب عن ذلك من آثار مدمرة على جميع الأصعدة . الميثاق يدعي أن استقلالية الادارة سيضمن ايصال الموارد العامة إلى المؤسسات و أن هذه الموارد ستستخدم بفعالية مما يجعلها ضامنة للتعليم المجاني ...؟ و هذه مغالطة .التشريع يحث الاباء و الاولياء على المساهمة في تكاليف التدريس بمساهمات مقننة و يسمح للشركات الخاصة بالدخول الى المدارس بلا استئذان ...وبدون مواربة و لا دوران و هذا يطلق عليه اسم بارد ينزل علينا كالثلج : الخصخصة ما يغيظني و هو أنني لا ألمس تعبيرا منظما عن السخط من ما يقع خلف ظهر الجمهور و أمام أنظار المعلمين و النقابات و الجمعيات بكل ألوانها ، و يظهر لي بصورة متشائمة أن الكل ماض في ابتلاع ما قدموه له في الوصلات الاشهارية المؤسساتية و الوزارية و الإعلامية ... ربما في الأشهر القادمة أو السنوات الغير البعيدة سوف لن يهطل المطر ...ستنبت فقط الزوابع و يعم الظلام . https://educationdebdou.blogspot.com/2017/11/44.html

الجزائر تايمز فيسبوك