تحديات المشروع التنموي الجزائري وخرافة رفع الرواتب

IMG_87461-1300x866

للأسف الكثير يتصور ان زيادة الراتب هي مجرد قرار سياسي يتخذه بيروقراطي كسول لا يعرف يحسب جمع رقمين
وفي بلد مثل الجزائر دائما قرارات رفع الراتب هي معركة بين البيروقراطية والحكومة أوما نسميه "الدولة" وبين مختلف الفئات العمالية في مختلف القطاعات..
والسؤال البسيط: هل الراتب له مسار تصاعدي ابدا مهما كان وضع الاقتصاد؟
منذ الاستقلال أحد اخطر مصادر التضخم القرارات العشوائية للحكومات برفع الرواتب في القطاع العام..
والكل يصفق.. لأن هذا ما نراه..
وما لا نراه.. هو ان الرفع البيروقراطي يؤدي الى الضغط على الاقتصاد الهش.. وتكون النتيجة بدلا من تحسن القدرة الشرائية ارتفاع الأسعار والعودة لنفس النقطة قبل رفع الراتب.. بعد توازن المعروض النقدي مع حجم الخدمات والسلع المتوفرة في الاقتصاد..
ولفهم خطورة التلاعب بالكتلة النقدية وفهم ظاهرة التضخم..
لنفترض ان حجم السلع والخدمات المتوفر في الاقتصاد هو خمسة أقلام..
ولدينا خمسة دنانير..
(تذكر النقود هي وسيلة واداة تبادل واداة قياس مثل الترموميتر وليست الثروة)
فمنطقيا سعر الخمسة أقلام هو 5 دنانير.. كل قلم بدينار.. أو قلم بدينارين والاربعة الباقية تقسم بينها الثلاثة دنانير وهكذا.. ولكن المحصلة النهائية هي خمسة دنانير..
الآن تخيل قام البيروقراطي الفاشل الذي لا يفهم في الاقتصاد
وطبع خمس دنانير اضافية لشراء نفس الحجم من السلع والخدمات وهو خمسة اقلام.
منطقيا يرتفع سعر هذه الخدمات والسلع ليمتص المعروض النقدي الجديد.. فيصبح كل قلم سعره 2 دينار وهكذا..
وبالعكس لو حدث زلزال وفقدنا قلمين وبقي فقط 3 اقلام وفي ايدينا 10 دنانير فان الكتلة النقدية ستغطي 3 اقلام بدلا من خمسة ويرتفع سعر هذه الاقلام..
ولذلك البنوك المركزية حول العالم تجمع شهريا معطيات شبه دقيقة مئة بالمئة عن حجم الاقتصاد.. وتحرص على ضبط المعروض النقدي.. على ان لا تتجاوز نسبة التضخم 2-3% سنويا..
هذا المبدأ البسيط يبدو غائب تماما في نشاطنا ووعينا الاقتصادي لاسباب كثيرة محورها ان الدولة هي الاقتصاد.. وان الاقتصاد تديره البيروقراطية..
هذا المبدا البسيط يكسره البيروقراطي لانه يستطيع ان يرفع الراتب مثلما يريد فهو يطبع النقود ولا يهمه ما يحدث لاحقا..
نبتعد عن البيروقراطي الفاشل..
وننظر لصاحب بقالة في الحي عمي احمد..
كيف يرتفع راتبه وكيف ينقص..
عمي احمد يفهم الاقتصاد احسن من أويحي وكل البيروقراطيين الفاشلين الذي حوله..
عمي احمد كل صباح يفتح بقالته ويبيع سلعه.. وآخر اليوم يقوم بجرد حساباته.. ويقول الحمد لله اليوم يوم مبارك.. عمي احمد يوميا يرتفع راتبه وينزل.. حسب الاداء..
عمي احمد سافر اياما يرتاح عند ابنه في مدينة بعيدة.. وترك ابنه الصغير يعمل في المحل..
ابنه كان لا يفتح المحل في اول الصباح عندما يكون السكان في حاجة له ماسة لشراء حاجياتهم السريعة.. يغلق الدكان مبكرا.. يعطي بعض السلع لاصدقائه دون ان يسجل السلعة في دفتر او حتى يطلب ثمنها..
رجع عمي احمد بعد اسبوع .. وقام بجرد الحساب.. ثم اقام الدنيا ولم يقعدها على ولده المستهتر الذي لا يعرف قيمة العمل.. ولا يعرف من اين يأتي الرزق..
عمي احمد يفهم جيدا دورة الاقتصاد..
عمي احمد يعرف جيدا ان الراتب يرتفع وينخفض باستمرار بحسب الاداء الاقتصادي والنجاعة والحرص على العمل..
عمي احمد عادة لا يدخل في حسابات البيروقراطيين الذين يرفعون الرواتب من الهواء.. بدون كفاءة ولا اداء ولا حرص على العمل ولا أي شيء.. قرار اداري سفيه.. مادام يتحكمون في طبع النقود فانهم يقررون هكذا رفع الرواتب..
وفي دولة مثل الجزائر دائما يشكل القطاع العام المتضخم خطرا على الاقتصاد الهش..
فجأة يقرر سياسي مجنون رفع الرواتب.. بعد سنة سنتين تفقد تلك الكتلة النقدية قيمتها وتتراجع القدرة الشرائية للعودة لنقطة التوزان بين المعروض النقدي وحجم السلع والخدمات..
في الجزائر وفرنسا وكل هذه الدول التي تتغلغل فيها ثقافة الجهل بآليات الاقتصاد وتنتشر فيها ثقافة تضخم الدولة تنشا معارك بين العمال والادارة والنقابات المهنية ويتم عفس وركل وضرب كل مفهوم اقتصادي يفهمه جيدا عمي احمد صاحب البقالة وعمي الطاهر الفلاح صاحب حقل البطاطا وعمي ابراهيم صاحب حافلة النقل.. كل هؤلاء يوميا واسبوعيا وشهريا ترتفع رواتبهم وتنخفض.. ولا يقومون باية معركة ولا يتعاركون مع اية نقابة.. ولكن اويحي وبيروقراطييه وثلاثية سيدي السعيد هم وحدهم لا يفهمون هذه المعادلة الاقتصادية البسيطة.. ويقلبون البلد رأسا على عقب من اجل رفع الرواتب..
كيف يرتفع راتب عمي احمد وعمي ابراهيم وعمي الطاهر.. كل هؤلاء يدركون جيدا ان زيادة فعاليتهم واداءهم وكفاءتهم سيجعلهم يزيدون في رواتبهم..
عندما يقومون بجرد حسابهم واخراج تكاليف نشاطهم ودفع اجارهم وغيرها من التكاليف يحسبون ما بقي معهم وذلك هو ربحهم وذلك هو راتبهم..
الا اويحي وسيدي السعيد..
هؤلاء يلجؤون لمطبعة النقود ويغرقون البلد في التضخم..
المشكلة حتى المجتمع اصبح مغشيا عليه.. تقريبا لم يعد يفهم ما يفهمه عمي احمد وعمي الطاهر والبقية..
حتى عمي احمد وعمي الطاهر وابراهيم لما يسمعون في التلفزيون نقاشا عن رفع الرواتب وان الحكومة قررت رفعها وان النقابات تطالب برفع الرواتب. هم ايضا يتمنون ان تصلهم اوراق الحكومة التي تسمى النقود التي تطبعها الحكومة وتوزعها في شكل رواتب على القطاع العام..
فعلا ستصله عمي احمد ولكن ستصله في شكل عقوبة.. عقوبة تدمر الاقتصاد.. عقوبة تسمى التضخم..
في مستوى آخر
هناك نقاش موروث من القرن التاسع عشر.. نقاش ملغم عادة يديره رجال اقتصاد غارقون في الكتب والنظريات.. وفي حياتهم لم يبيعوا علبة حلوى حتى يفهموا ما يحدث بالضبط.. ولان المعرفة كلأ مباح لكل من هب ودب.. فقد ظهرت فئة غريبة لها اسم غريب تسمى المفكر.. هذه الفئة تهرف في كل شيء.. وتجدونهم في التلفزيونات يسممون عقول الناس.. ويحدثونهم عن الجشع والامبريالية والحكومة الخفية للعالم وغيرها من الخرابيط.. حتى عمي احمد الذي يمارس يوميا رفع وخفض الراتب.. يصبح غير فاهم ما يمارسه يوميا جراء هذا القصف "الفكري" المشبوه..
يكفي ان تزور أية شركة محترمة في اي دولة تطبق قواعد الاقتصاد كما يطبقها عمي احمد.. ولا تطبق الديماغوجية ولا يحكمها اويحي او بوتفليقة الذي يتصور ان خطبة عصماء ستجعل الرواتب ترتفع..
كل سنة يتم الاعلان عن المكافءات المهنية وزيادات متعلقة باداء السنة المالية.. تصل الزيادات الى راتب شهر وراتب شهرين وثلاثة أشهر اي بنسبة 8% و16% و25% حسب الاداء المالي للشركة.. واذا كانت الشركة متواجدة في البورصة فانها توزع الارباح في شكل (Dividents) ليس فقط على العمال المباشرين بل على المستثمرين الذي يملكون اسهما وشاركوا في دعم الشركة عبر شراء اسهمها.. وربما تبرمج امتيازات جديدة للموظفين وبعضهم ينظم رحلات استجمام للموظفين وعوائلهم..
كل ذلك لم يات من فراغ او لان ادارة الشركة تملك مطبعة نقود في احد مكاتب مقرها الرئيسي...
بل جاء نتيجة زيادة الاداء والفعالية وتحسن المداخيل..
وقد تكون هناك سنة مالية خاسرة.. فيضطر صاحب الشركة الاعلان عن خفض في الرواتب لاستمرار السفينة في الابحار.. وتقليص الامتيازات..
بالضبط كما يفعل عمي احمد والطاهر وابراهيم..

رياض حاوي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك