تداعيات أزمة البرلمان الجزائري

IMG_87461-1300x866

شكلت الأزمة المنبثقة عن رفض دعوة الاستقالة التي طالب بها رؤساء أربع كتل برلمانية ونواب أحزابهم لرئيس البرلمان الجزائري منذ 26 سبتمبر 2018 سابقة في مرحلة حاسمة ودقيقة من تاريخ الجزائر المستقلة. فهذه الأخيرة تواجه تحدي الاستجابة لمطالب يراها المجتمع الجزائري أكثر من ملحة، وعلى المستوى الدولي تظل الجزائر معنية بحجز مكان لها في نظام دولي لا يعترف إلا بمنطق الصراع والقوة. فما طبيعة هذه الأزمة؟ وهل هي أزمة عرضية أم تشي بأزمة التيار الوطني الحامل لمشروع الدولة الوطنية؟ أم استهداف للانتخابات الرئاسية المقبلة كما يذهب إليه البعض؟ ومن جانب آخر هل  تشكل مثل هذه التجاذبات تهديد لمكانة  الجزائر إقليما ودوليا؟

رجع صدى أزمة التيار الوطني على  البرلمان ؟

ظهر  منذ 26 سبتمر  2018 ما يعرف بأزمة المجلس الشعبي الوطني أو الأزمة المنبثقة عن رفض رئيس البرلمان السعيد بوحجة تقديم  الاستقالة من منصبه إثر توقيع 320 من أصل 462 نائبا بالمجلس يمثلون أربع كتل برلمانية تنتمي إلى (أحزاب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وأمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية وكتلة الأحرار)  على عريضة دعوه فيها بالاستقالة.  ومنذ ذلك التاريخ تعيش المؤسسة حالة من الانسداد التام لاسيما بعد تجميد نشاطاته ودخوله حالة من الفوضى نتيجة تمسك كل طرف بموقفه. فرئيس البرلمان رفض الرضوخ لمختلف الضغوط المطالبة برحيله بدعوى أن الإجراء غير قانوني، علاوة على حجج أخرى كالتي أثارها في مثل هذا التصريح الذي خص به جريدة الخبر بتاريخ 6 اكتوبر 2018 ، فمما ورد في التصريح، إتهامه للوزير الأول والأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي (الارندي) بتدبير عملية لإحداث شغور سياسي. ورأى تناغم في كلام أويحيى مع تصريحات السفير الفرنسي ومدير جهاز الاستعلامات الخارجية الفرنسية الأسبق برنارد باجولي الذي تحدث عن وجود فراغ في رئاسة الجزائر، ودعا إلى رحيل جيل الثورة عن الحكم.  ومما تضمنه التصريح، قال أنا محمي بقوانين الجمهورية والنظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني، كان عليهم يقول (السعيد بوحجة) احترامي كمجاهد ومناضل قبل أن أكون رئيسا للمؤسسة التشريعية.

وبالنظر الى القوى المنخرطة في هذه الأزمة، يتضح جليا أن أزمة البرلمان هي في البداية والنهاية انعكاس لازمة التيار الوطني( الافلان والارندي). وهنا نتساءل عن سبب فشل هذا التيار (العريق في إدارة وحل النزاعات) في حل أزمة تبدوا بسيطة لنا. أم  أن العجز ناتج عن طبيعة المسالة المعقدة الممتدة والمرتبطة مع رهانات ضمان استقرار واستمرار النظام السياسي. ومن ثم يمكن القول أننا لا نرى من القضية إلا مظهرها الخارجي، كالذي يرى إلى قمة جبل جليدي  من بعيد ويعتقد أن الجبل مختزل في هذه القمة. وإذا كان الامر كذلك، هل يمكن اعتبار انتخابات  2019 الرئاسية جزء من هذا الجبل .وهنا نتساءل عن قدرة النظام على التكيف ومن ثم الاستمرار في ظل مطالب داخل متطلع ومحيط خارجي مهدد وضاغط؟ وهل تدرك الأطراف المنخرطة في مشهد أزمة البرلمان تداعيات هذه الأزمة على مكانة الجزائر في عالم يحسن فاعلوه اللعب على الاختلافات والتناقضات؟

الجزائر: داخل حائر ينتظر ومحيط دولي ضاغط مهدد

يمكن اعتبار هذه الأزمة في جانب منها انعكاس للضغوط الممارسة على النظام الجزائري بهدف دفعه إلى إعادة ضبط أداء مؤسساته وآلياته بما يسمح بتحقيق أهدافه في التنمية والاستقرار والاستمرار. فمن جهة تجد الجزائر نفسها في مواجهة سياسات قوى العولمة التي تدفع في اتجاه جعلها متوافقة وظيفيا مع مسلماتها (حقوق الإنسان، الديمقراطية، الاقتصاد الحر). ومن جهة أخرى فهي تتطلع إلى تكريس عالم ما بعد العولمة تتعزز وتتكرس فيه  مكانة الدولة ويصير النظام الدولي متعدد الأقطاب. فإذا كانت الظروف بمثل هذه الصعوبة، يجدر أن تتحلى مواقف أطراف أزمة البرلمان بشيء من الحذر والعقلانية. لأن في مثل هذه الأوضاع الخطأ غير مسموح به. على اعتبار أن نتائجه لن تحييد عن الضعف والفشل والانقسام، وهي مناسبة بل ومحفزة لكل قوة تسعى لممارسة الهيمنة.

وعلى نحو متصل تواجه الجزائر في محيطها الجغرافي ( شمال إفريقيا ومنطقة الساحل جنوب الصحراء) أوضاع متفجرة ناتجة عن  انهيار دول ووصل دول إلى حافة العجز والانهيار . ولان المنطقة متداخلة فقد برزت نزاعات عابرة للحدود تأبى القوى الضالعة او المتورطة فيها حلها على غرار النزاع الليبي، فضلا على أزمات  منظمات الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود وظاهرة الهجرة غير الشرعية من بلدان الساحل للجزائر التي تواجه الجزائر بسببها ضغوط قوية من دول الاتحاد الأوربي بغية إرغامها على لعب دور الدركي ورجل المطافئ والمضيف في نفس الوقت. فماهي يا ترى مخاطر مثل هكذا أزمات على أمن واستقرار الشعوب والدول ؟

فتح أبواب القلاع وكشف الحصون من المستفيد؟

لاعتبارات تاريخية و سياسية بل وسوسيو/ثقافية ظلت المؤسسة العسكرية صمام أمان واستقرار النظام السياسي الذي ظل متماهيا مع الدولة. ففي كل المحطات الحاسمة من تاريخ الجزائر المستقلة كان  الجيش حاضرا بصفة مباشرة او غير مباشرة، رغم الانتقادات التي يكيلها له البعض لاسيما خلال العشرية السوداء التي تحمل فيها الجيش مسؤولية حماية الدولة من التفكك والانهيار أثناء مكافحة الإرهاب وهذا بعد توقيف المسار الانتخابي في تسعينيات القرن الماضي (العشرية السوداء). بالموازاة مع ذلك فقد فشلت مختلف السياسات المنتهجة ( بالخصوص بعد الانفتاح السياسي 1989) في تشكيل وبلورة مؤسسات سياسية واجتماعية (أحزاب ومنظمات المجتمع المدني) قادرة على تأطير المجتمع تاطيرا سليما. فعوض وجود أحزاب تتنافس على البرامج والأفكار وجد المجتمع الجزائري نفسه رهين نخب سياسية تتنافس تتصارع بمنطق الجهة أو المنطقة أو العرق.

تبعا لهذه الحالة، يجدر بمثل هذه النخب تفادي توريط الجيش في صراعاتها السياسية. بل وأكثر من ذلك عليها أن تساهم في حماية وتقوية مؤسسة الجيش بما يخدم طابعها الجمهوري وبما يساعدها في أداء مهامها ذات الصلة بالحفاظ على الدولة، وعلى درء مختلف المخاطر والتهديدات المحيطة بها.  ففي هذا السياق، يبدوا لي أن الذي أقدمت عليه جريدة النهار مع مصالح الأمن بسبب استدعاء احد صحافييها، لا يساعد او يساهم في هذا الاتجاه. كان على إدارة الجريدة تسوية القضية بما يحفظ كرامة الشخص والمؤسسة وفي نفس الوقت تفادي الإشهار المجاني الذي وصل إلى حد الدعاية ضد إحدى مصالح الجيش. فمعالجة المشكلة بهذه الطريقة، يمكن اعتبارها خدمة  مجانية لمن يترصدون مثل هذه الاختلافات وهذه المعلومات.  يستخدمونها عند الضرورة في رسم وتنفيذ سياسات الهيمنة على الشعوب والأمم. ففي تقديري، يجب على الجميع العمل على تحصين وتطوير مؤسسة الجيش بمختلف مصالحها لأنها بمثابة القلعة الحصينة  في عالم العلاقات الدولية الذي لا يؤمن إلا  بالقوة العسكرية.

أيضا من التأثيرات السلبية لهذه الأزمة ما أراه استهداف خاطئ للرأي العام العالمي لاسيما بالنسبة للدول التي تسعى لممارسة الهيمنة والمعنية مباشرة أو غير مباشرة بالجزائر.  فمن المعروف ان قوى العولمة تعمل وفق منطق الإضعاف والإفراغ من اجل الإحلال. فلاشك أن مثل هذه الأزمات وغيرها تدفع في اتجاه إحداث الفوضى و الفشل والعجز المؤسساتي. وحينذاك تجد كل المسوغات التي تسمح لها بالتدخل من  اجل فرض أجندتها وستجد رأيها العام داعما ومساندا ومقتنع بفشل هذه النخب في درا مخاطر الهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة عن بلدانهم.

واخلص الى دعوة أطراف مشهد أزمة البرلمان لتعيد قراءة الأزمة بأبعادها المختلفة وحينها ستدرك أنها بوعي أو دونه استهدفت سلبا داخل متطلع وخارج أدرك أنها نخب لا تحسن كيف تحافظ على أوراق ربحها وغير قادرة على تحقيق الأمن و الاستقرار والتطور والرفاه المانعة للإرهاب والهجرة بنوعيها. وعلى أطراف الأزمة أن تدرك أن الخطأ ممنوع لأنه قاتل لاسيما إذا تعلق الأمر بكشف الحصون وفتح أبواب القلاع بالمجان.

 

عبدالله راقدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. certains feraient mieux de rester blottis dans les bras de Morphée dans leur tour d'Ivoire et ne nous gratifier que de leurs ronflements de leurs éloges nous n'avons rien a cirer

  2. الحديث عن الدولة والجيش بهده الصيغة يجعلنا مثل الأكباش التى ترعى بواسطة راعى مع كلابه فهي التى تحدد اتجاه القطيع وأين يسير ومادا يأكل على العموم بالرغم من المراوغات والروبغاندا فالدى يحكم فى الجزائر هو نظام عسكرى دكتاتورى فاشستى . امالدى يتحدث عن الجيش والوطنى الشعبى فلقد دهب دالك الجيش مع بومدين وبقي عسكر الكوكايين والفساد هو الدى يحكم البلاد والعباد مع  ( (التماهى ) ) مع الغرب والشرق أماالرأية من فوق الجبل فهي استراتجية العسكر الدى يحكم الجزائر فهو الدى لايرى الى الثكنة فقط والباقى أرض للمعركة يجب التسلح لها وفرض التشردم والأنفصال على الآخرين . تصبح على خير

  3. عبد الرحمان

    لا تعرضوا صورة هذه الجيفة إنها مرعبه ومخيفة وخاصة للأطفال والنساء الحوامل ومرضاء السكري الذين قد يدخل بعضهم في غيبوبة من رؤية هذه الجيفة المنتنة المرعبة.

الجزائر تايمز فيسبوك