في الجزائر يموت الشرفاء ويحكم الخبثاء

IMG_87461-1300x866

الأسبوع الماضي توفي الناشط الحقوقي والسياسي الجزائري كمال الدين فخار في السجن متأثراً بإضراب عن الطعام شنَّه احتجاجا على اعتقاله، ومن إهمال صحي متعمد.
في الأسبوع الثاني من شهر كانون الأول (ديسمبر) 2016 توفي المدوّن محمد تمالت في سجن جزائري متأثرا بإضراب عن الطعام، ومن إهمال صحي متعمد. مصادر عدّة لم تهمل فرضية تعرضه لتعذيب جسدي ونفسي أفضى إلى وفاته.
توفي فخار في ذروة حراك الجزائريين من أجل الكرامة وسيادة العدالة والقانون. وتوفي تمالت في ذروة سطوة عصابة من اللصوص والفجّار اتخذوا من مؤسسات الدولة مراتع لهم واستولوا على البلاد وخيراتها.
هناك آخرون مثل فخار وتمالت في السجون بسبب أرائهم ولا تغادر استغاثاتهم جدران زنازينها. لعلَّ رحيل فخار المأساوي، وقبله تمالت، سيفيدهم في شيء.
فخار مقاتل شرس من أجل حقوق وكرامة الجزائريين عامة وأتباع المذهب الإباضي خاصة (بنو ميزاب) الذين ينحدر منهم. هؤلاء يعيشون منذ قرون في سلام داخلي وخارجي في منطقة غرداية (جنوب)، بعيداً عن الشمال ومشاكله ومشاكساته. لكن هذا «الهروب» لم يمنع قيام مواجهات بينهم وأتباع المذهب المالكي أسفرت عن خسائر بشرية ومادية. آخر هذه المواجهات كانت قبل 5 سنوات، ثم هدأت بأعجوبة. ساد شبه إجماع آنذاك أن النظام الحاكم أشعل تلك الأحداث ووظفها لتحقيق مآرب سياسية لمصلحة العصابة الحاكمة آنذاك. سكان المنطقة يقولون إن لديهم عشرات الأدلة على أن النظام وراء الفتنة، لكن القضاء مكبل. لاحقا، وفي ذروة شرخ بين أركان النظام، كشف الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، أن أحداث غرداية الأخيرة وراءها اللواء محمد مدين، مدير المخابرات آنذاك. صدم هذا الكلام الجزائريين لكن، كالعادة، لا أحد ممن على رأس الأجهزة السياسية والقضائية فكّر في طلب فتح تحقيق قضائي. ولا أحد سأل أو ساءل مدين، أو سعداني، عن هذه الاتهامات التي كان يجب أن تجرّ أحدهما إلى السجن.
لم يتوَفَّ فخار من إضرابات الجوع السابقة. لكن، للمفارقة، توفي وملايين الجزائريين في الشوارع كل يوم لمنع حدوث مثل ما حدث له.
المطلوب اليوم أن دم فخار لا يذهب سدى. أن تُرفع صوره في كل المظاهرات في كل المدن الجزائرية، قبل غرداية مسقط رأسه. أن يطالب الحراك كل جمعة بالقصاص له من كل مَن تسبب له في هذا المصير المشؤوم. أن يكون موته عبرة. أن تُرفع صور المعتقلين السياسيين الآخرين وأسماؤهم.
ما لم تتحقق العدالة لهذا الرجل، سيكون هناك آخرون مثله. سيكون ذلك إخفاقا للحراك.
وصل الراحل محمد تمالت إلى لندن في 2002 بتأشيرة طالب. عاش فيها وحيدا متمرداً على كل شيء وكل الناس. بسرعة تحوَّل إلى كابوس لرجال الحكم ونسائه، ينشر أسرارهم وأسرار عائلاتهم عبر صفحات إلكترونية. انقطع عن الجزائر بسبب هذا «النشاط» لكنه استُدرج إلى فخ انتهى به مسافراً إليها في صيف 2016. هناك اعتُقل وحُكم عليه بالسجن سنتين. كان يعاني من عدة أمراض أبرزها السكري. بعد 6 أشهر في السجن وشكاوى، بلا طائل، من محاميه، بثت السلطات خبرا غامضا عن وفاته متأثرا بإضراب عن الطعام.

هنا انتهى الأمر. لا تحقيق ولا مساءلة ولا مَن استجاب لاستغاثات عائلته ومحاميه. خذلته الجزائر كلها. تخلى عنه حتى الصحافيون والناشطون الحقوقيون في الجزائر، مثلما تخلوا عن فخار بعده. اكتفى أغلبهم بحد أدنى من التنديد يرفع عنهم الحرج ويحميهم من المضايقات.
لم يفت الأوان. العدالة المتأخرة أفضل من استمرار غيابها. اليوم وقد حرّر الحراك الألسنة والعقول، أصبح من الواجب القومي والإنساني والأخلاقي والسياسي أن يُخرَج ملف تمالت من جديد. يجب محاسبة مَن قادوه إلى ذلك المصير المأساوي.. من استدراجه إلى تركه يموت. يجب أيضا محاسبة الذين حرقوا قلب والدته بطمس القضية واعتبار وفاته لا حدث.
سيبقى تمالت، مثل فخار، وصمة عار في جبين الجزائر ما لم تتحقق لهما العدالة.
عبد العزيز بوباكير أستاذ جامعي منذ منتصف الثمانينيات. خريج سان بيترسبرغ، متخصص في السينما والإعلام المرئي والمسموع، ثم أضاف إلى ذلك الأدب السوفييتي والغربي والتاريخ. تتلمذ على يديه صحافيون ومذيعون جزائريون مشهورون اليوم داخل البلاد وخارجها.
اليوم بوباكير معرَّض للتكميم والترهيب في نزاع يمكن وصفه بالمواجهة بين البندقية والقلم، لأن خصمه هو الجنرال المتقاعد خالد نزار. والسبب مضمون كتاب أصدره الأول ولم يقرأه الثاني.
مشكلة بوباكير مزدوجة: شخصية تتعلق بمحاولة مصادرة حقه في التعبير عن آرائه، وعامة تتعلق ببقاء نزار حاضراً في حياة الجزائريين. حضور نزار بكل هذه القوة في الفضاء العام فيه الكثير من الأذى السياسي والنفسي للجزائر والجزائريين. ولا يمكن إلا أن يكون مشكلة لأنه بمثابة رجوع إلى الوراء، إلى ماضٍ قريب مظلم، دموي ومأساوي، هو أحد صانعه الأبرز. واجب الجزائريين، إذا كانوا يريدون جزائر جديدة، أن يلفظوا نزار ويتضامنوا مع بوباكير.
أيًّا كانت أخطاء الناس وعيوبهم، ومهما كانت آراؤهم، لا أحد يستحق موتا مثل فخار وتمالت. ولا أحد يستحق أن يُضطهد أو يرهَّب فكريا، كما يحدث مع بوباكير. هذه التفاصيل الصغيرة من يوميات الناس هي التي تصنع الجزائر الجديدة، وليس فقط ضجيج السياسة والانتخابات. وهي مقياس صحة المجتمع.
أدعو لتحقيق العدالة لفخار وتمالت، والحرية للمعتقلين السياسيين. وأعلن تضامني المطلق مع بوباكير.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك