لا يوجد سبب واحد للتفاؤل باختيار سليمان شنين رئيساً للبرلمان الجزائري

IMG_87461-1300x866

مضحك أن تسمع تلفزيونات عربية وأجنبية تنقل خبر اختيار السيد سليمان شنين رئيساً للبرلمان الجزائري، وتختم خبرها بعبارة: «جدير بالذكر أن هذه أول مرة يتولى نائب من حزب معارض رئاسة البرلمان الجزائري».
كان مضحكاً أن يُصنّف شنين معارضاً بعد أن قضى الـ25 سنة الأخيرة يخدم النظام حتى من خارجه، مرافقاً للراحل محفوظ نحناح كظله بدايةً، أفضل من بعض أبناء النظام. هناك جزائريون وجزائريات من خارج النظام خدموا هذا النظام في ذروة الرعب السياسي والأمني الذي كان ينشره ويمارسه في تسعينيات القرن الماضي، أفضل من بعض السفراء والموظفين في الدوائر الرسمية. من هؤلاء شنين وخالدة تومي وسعيدة ابن حبيلس، وغيرهم من مثقفين وصحافيين وسياسيين من كل الأصناف والأطياف. الفرق أن شنين و»إسلاميي الخدمة» الآخرين يُعطون الانطباع بالذكاء أكثر من الآخرين.
من الخارج، وللوهلة الأولى، يبدو اختيار شنين عملاً ديمقراطياً نبيلاً (كما ظنَّ بعض الإعلام العربي والدولي) وهديةً للحراك الشعبي وتحقيقاً لشيء من مطالبه. لكنه في الحقيقة الخيبة الأولى في بناء لم ينطلق بعد.
دعك من أن شنين لا ينتمي هيكلياً للنظام، وينتسب إلى حزب تأسس في 2013 لا قواعد له ولا أغلبية في أي مستوى. ودعك من أنه لا يتوفر على مواصفات رجل دولة وعلى كاريزما تؤهله ليرأس البرلمان وتجعل منه الرجل الثالث في هرم الدولة. ودعك من أنه غير محم في البرلمان؛ فيُمكن أن يطاح به بسهولة تفوق سهولة اختياره. بهذه المعطيات هو آخر من تؤول إليه رئاسة البرلمان، انتخابًا أو تعيينًا.
لكن، بما أن العمل السياسي في الجزائر متاهة مظلمة وبالغة التعقيد، فيها كل شيء إلا الممارسات النبيلة والبريئة، تكشف نظرة عن قرب أن اختيار شنين لا علاقة له بالعمل السياسي والديمقراطي، ولا علاقة له بأي شكل من أشكال التنازل للحراك أو لغيره. يكفي الانتباه إلى أن الذين اختاروا شنين هم نواب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، مضافاً إليهم نواب الحركة الشعبية الجزائرية وتجمع أمل الجزائر. باختصار، هو الرباعي البائس ذاته الذي يتحمل مسؤولية قتل العمل الحزبي والسياسي في الجزائر.. الرباعي الذي وضع نفسه لسنوات طويلة في خدمة بوتفليقة وعائلته وذراعهما الضاربة (إلى 2015) اللواء محمد مدين، ودافع بشراسة عن عهدة ثالثة ورابعة لرئيس مقعد غائب، ثم خامسة، دفاعاً مستميتاً إلى آخر نفس. بينما تخلى الإسلاميون عن شنين، حتى الذين بدأ معهم مساره الحزبي، أقصد حركة مجتمع السلم. كما تبرأت منه جبهة العدالة والتنمية التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله ويُفترض أنها ضمن تحالف برلماني يضم سليمان شنين.

النواب الذين زكّوا شنين ينتمون إلى مدرسة تؤمر بالهاتف فتستمع وتُنفذ بمغالاة. أحزاب في خدمة الأقوى ولا تعرف العمل السياسي المستقل لأنها لم تمارسه يوماً. وُضعَ نواب هذه الأحزاب وقادتها في خدمة السلطة الفعلية منذ اليمين زروال، ثم بوتفليقة، فأبدوا طاعة عمياء، وظلَّوا أعواماً طويلة يتلقون الأوامر. اليوم تقرر لهم أن يكونوا في خدمة القوي الجديد، الفريق أحمد قايد صالح ومعسكره، فنزلت الأوامر الهاتفية بتزكية شنين رئيساً لهم بلا نقاش وبلا تفكير، ثم بعد ذلك إيجاد شعارات هزيلة لتسويغ هذا الاختيار من نوع «المصلحة العليا للوطن» و»أمن واستقرار البلاد».
لهذا لا يوجد سبب واحد للفرح والتفاؤل باختيار شنين رئيساً للبرلمان الجزائري. بالعكس، هي انتكاسة ورِدّة وعلامة على أن الممارسات السياسية نفسها تتكرر مع الأشخاص ذاتهم والأحزاب ذاتها. تغيّر العرَّاب فقط.
إذا كانت هناك من قراءة سياسية لاختيار شنين رئيساً للبرلمان، فهي أنها عملية داخل النظام قام بها النظام حمايةً لنفسه وضمن مناوراته للاستمرار وفرض أجندته. هذا الاختيار هو الخطوة الأولى في مسلسل بناء مؤسسات ما بعد بوتفليقة. الخطوة الأخيرة «اختيار» رئيس جمهورية تحت مسمى انتخابات يرفض لها النظام أن تخرج عن خارطة الطريق التي يصرّ عليها قائد أركان الجيش وقوافل المهللين له، إن بحسن نية أو انتهازية فقط.
بيد أن الذين راهنوا على أن اختيار شنين قد يغيّر شيئاً في الشارع أو يسجل لهم نقاطاً في معسكر الإسلاميين، تعثرت خطوتهم الأولى، لأنها تفتقد للحنكة وللذكاء السياسي ولا تختلف في شيء عن مناورات سئم منها الجزائريون وقادتْهم إلى المأزق الذي هم فيه. لقد اختار «العهد الجديد» رجلاً يفتقد لكل شيء، من الكاريزما الشخصية إلى التأييد في الأوساط السياسية والحزبية، بدءًا بالإسلاميين المحسوب عليهم. والعثرة تكمن في طريقة اختياره ثم في غياب من رحبوا باختياره، خارج البرلمان وداخله. كانت هناك حالة غريبة من اللامبالاة تقترب من الذهول من هذا الاختيار ومن جرأة النظام ورجاله على العودة إلى الممارسات ذاتها التي كانت سبباً في غرقه الحالي. كان ذهولاً من أن هذا النظام غارق في غبائه يرفض أن يتعلم على الرغم من الدروس الكثيرة، الداخلية والخارجية، القريبة والبعيدة.

توفيق الربحاي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك