الحراك الشعبي الجزائري والأعلام الضِّرار

IMG_87461-1300x866

نشرت صحيفة عربية مؤخرا مقالا لشاعر جزائري يعيش في الخارج كان عنوانه : “هل أمازيغ الجزائر انفصاليون حقا”، وهو عنوان يجسد مغالطة كبرى انطلقت منها مغالطة أخرى تقول إن: “الزوبعة التي أثارتها قضية رفع “الراية الأمازيغية” في التظاهرات السلمية التي شهدتها الجزائر جنبا إلى جنب مع العلم الوطني ليست بريئة، بل هي جزء من “تراث الوصاية والقمع الذي فرض على المنطقة الأمازيغية وسكانها”.

وأرى أن الأمر يستحق وقفة توضيحية سريعة، فالشاعر، ولست أنا من قال بأن “الشعراء يتبعهم الغاوون، يدعي أن الراية أساس المشكل هي راية ثقافية “يتجاوز مضمونها الرمزي الاعتزاز بالتراث والهوية”، في حين أن من رفهعونها ينادون بخرافة “تامزغا” الكبرى التي تحل محل الوطن العربي طبقا للخريطة المُروجة.

 والواقع هو أن الراية المذكورة هي راية مستحدثة صممها صهيوني يُسمّى “جاك بينيت” في الستينيات، ولم يكن للرمز الذي تحمله وجود عام في التاريخ الجزائري القديم منذ ما قبل الميلاد، وسواء خلال حكم ماسينيسا ( 138 ق.م – 148 ق.م.) وكفاح يوغورطا (160 ق.م- 104 ق.م) ثم تاكفاريناس ( 100 ق.م – 24 م) ولم يرفعها مجاهدو ثورة نوفمبر 1954 من أمثال ديدوش وعميروش وعبان وكريم بلقاسم وغيرهم من رجالات منطقة القبائل على وجه التحديد.

وهناك من يعتقد أن بينيت استوحى في تصميم رمزها آلةً كانت محاكم التفتيش الإسبانية تعذب بها المسلمين، لكن المؤكد أن الرمز الذي تحمله منتشر في “ظُفار” على الخليج العربي وعند العديد من القبائل الإفريقية.

وكان ممن سلطوا الضوء على هذا الباحث الهولندي Walter E.A. Van Beek ، ونشرت المجلة العلمية من جامعة شيكاڤو /The university of Chicago Press المُحكّمة “Current Anthropology” مجلد 32 رقم 2 بتاريخ أبريل 1991 صفحة 139-167، مقالا دراسيا مع مجموعة من الباحثين منهم : Susanne Preston, و Peter Crawford و Paul Lane….مضمونه أن الرمز يستعمل في طقوس و ديانة “وثنية” من قبيلة “الدوڤان/ The Dogon” يُطلق عليها تسمية “كاناغا /Kanaga، وتمّ توظيفه من طرف فرنسا في جميع البلدان الافريقية كرمز يُكرّس إستمرارية “الإستعمار الحضاري”، وقام بعملية التزوير الباحث الفرنسي: Marcel GRIAULE الذي حاول أن يجعل من تلك القبيلة القدوة الرّمزية و الحضارية، و” القلب النابض” لجميع ثقافات البلدان الإفريقية، والتي تتشابه في عقائدها و رموزها، كما يدّعي، مع الحضارة الإغريقية ومع كتابات أرسطو، وخاصةً تلك النظريات في scholastic التي تستدلّ بها الديانة الكاتولكية التثليثية في معادلة “الأب، الإبن و روح القدس”.

وواقع الأمر هو أن كل هذه المعطيات كان يجب أن تخضع لدراسات علمية في أكاديميات متخصصة، ولا يُلقى بها في الشارع السياسي لتكون مادة لتنافر قومي يقود إلى صراعات فكرية واجتماعية قد تصل إلى مستوى الحروب الأهلية، ومأساة التوتسي والهوتو في رواندا ما زالت في الأذهان.

وكان التوجه العام خلال الحراك الشعبي منذ 22 فبراير 2019، والذي حرصت السلطات على حمايته من كل انزلاق، هو التركيز على رفع الراية الوطنية وعدم رفع أي رايات يمكن أن تكون بابا تلج منه الفتنة إلى أروع تظاهرات سلمية عرفها العالم.

ورغم أن البعض هنا وهناك رفعوا بعض رايات “بينيت”، فقد تعامل معها كثيرون بنوع من السخرية، إذا أطلقوا عليها راية “الفورشيطة” (أي شوكة الطعام) لكن مرور عدة أسابيع كشف عن أن بعض رجال المال قاموا بصناعة كميات كبيرة من تلك الرايات أعطيت لشباب كان كثيرون منهم يبحثون عن أي شيئ يعبرون به عن حماسهم، واتضح أن الهدف هو إعطاء الشعور لمتابعي قنوات التلفزة بأن جماهير الحراك عبر الوطن كله تتبنى تلك الراية، وتلتزم بالتالي مع الشعارات التي بدأت ترتفع بتحريض من القوى الرافضة لتحكيم الدستور في التعامل مع الوضعية الجزائرية، وخصوصا الاتجاهات الفرانكولائكية التي رفع أنصارها صرخات عدائية ضد المؤسسة العسكرية، عندما رفضت هذه مباركة الاتجاه لخلق مجلس سيادي خارج إطار الدستور.

ثم حدث أمر جديد أثار الكثير من القلق، فقد رفعت شعارات تعبر عن مناطق معينة، وأخطر من ذلك رفعت لافتات فسّرها البعض، نتيجة لما كتب عليها، من أنها رايات القاعدة أو داعش، وحدثت احتكاكات في بعض المناطق كادت تؤثر على روعة الحراك السلمي.

ووجهت تحذيرات هادئة بضرورة الاكتفاء بالأعلام الوطنية، لكن هناك من كانوا يعملون لإثارة الفتنة، خصوصا عندما رفضت المؤسسة العسكرية استنساخ تجربة التسعينيات الدموية، وهنا راحت العناصر التي تضررت من وضع بعض القيادات السياسية والمالية تحت الرقابة القضائية تدفع نحو التصعيد، في محاولة لاستفزاز قوات الأمن وسلطات الدولة، وهنا رفعت المؤسسة الملتزمة بحماية الحراك الشعبي تحذيرا قويا بضرورة تفادي كل ما يمكن أن يقود نحو الفتنة، وبضرورة الالتزام باحترام الوحدة الوطنية، وبعدم رفع رايات غير العلم الوطني، وبدون تحديد الرايات المرفوضة، وهنا ارتفعت صرخات في بعض الجهات مطالبة بدولة مدنية لا عسكرية، ورفعت لافتات تتهم رئيس أركان القوات المسلحة بالخيانة، وهو الذي تمسك بالدستور ورفض القيام بما يمكن أن يعتبر انقلابا عسكريا.

وفي الوقت نفسه، وبتصور أن ذلك يكفل الحماية ويُعدّ للاستعانة بقوى خارجية، تزايدت بكائيات القمع الوهمي.

مظلومية مفتعلة

اتهامات القمع تشكل جزءا من المظلومية المتوارثة منذ الأزمة البربرية في الأربعينيات، وتتحمل القيادات السياسية منذ استرجاع الاستقلال مسؤولية كبرى في عدم مواجهتها في الوقت المناسب، فقد كانت تتخوف من إعطاء الفرصة لتوجهات كانت تعمل لتفجير الأوضاع، وتلك مسؤولية تتحملها أيضا النخبة الوطنية.

وإذا كانت كل مناطق الجزائر بريئة من كل التوجهات الانفصالية فإن هذا ينطبق أيضا على منطقة القبائل، لأن قياداتها الوطنية كانت دائما حريصة على وحدة الأمة، ومواطنوها يعرفون الثمن الرهيب للفكر الانفصالي الذي سيدفع من يسعون نحوه ثمنه غاليا، سواء بشكل مباشر أو عبر ما يمكن أن يصيب أبناء المنطقة العاملين في كل أرجاء الوطن وفي مختلف مراتب المسؤولية.

أين المشكل إذن ؟

المشكل هو أن هناك شرذمة من أبناء المنطقة قامت في فرنسا وتحت رعايتها بتكوين حكومة انفصالية أطلقت عليها حكومة القبائل (وليس الأمازيغ) وتتمتع بالدعم من بعض المؤسسات المالية والأجهزة الأمنية في فرنسا، كما تحظى بالدعم من الأجهزة الإسرائيلية (وكل هذا موثق بالصوت والصورة)

وكنت أنتظر من الشاعر الكبير أن يقول كلمة تنديد واحدة بالحكومة العميلة، بدلا من محاولات تبرير الخيانة بالادعاءات المألوفة والممجوجة بأن النظام الجزائري هو الذي أدى إلى تفريخ مشاريع الانفصال، فلا شيئ يبرر الخيانة والتآمر مع أعداء الأمة، ونحن قوم نؤمن بأن “بلادي وإن جارت عليّ عزيزة”… وثابت أنه لم يكن هناك جور.

على العكس من ذلك، يبدو أن شاعرنا يعتنق اتجاها سياسيا يدين كل مرحلة الاستقلال منذ 1962، متجاهلا أنه لو لم يكن هناك نظام وطني قام بجهود هائلة في مجال التنمية الوطنية وبناء الإنسان لما استطاع الملايين من أبنائنا أن يستفيدوا، على الأقل، من التعليم المجاني ومن المنح الدراسية بما مكنهم من التميز في كل المجالات، بما فيها قرض الشعر.

وكنت أريده، كمثقف، أن يلتزم بقوله تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، فيحفظ للرجال الذين شيدوا دولة الاستقلال حقهم في الاعتراف بجهود خارقة بُذلت في بناء بلد خرج محطما من المرحلة الاستعمارية، وكان يوما كعبة المناضلين في إفريقيا، ودعامة المشرق العربي في صموده أمام العدو الإسرائيلي، الذي يتحالف معه أمثال “فرحات مهني”.

وواقع الأمر أن خيبة أمل كبيرة تخيم على معظم المواطنين تجاه ما يحدث، فقد كانوا ينتظرون من عقلاء المنطقة التنديد بشرذمة منها، أعطوا ظهورهم عند عزف النشيد الوطني، وقام نفر منهم بإحراق العلم الوطني، وكل ذلك بحجة إدانة نظام الحكم.

تلك الجرائم يمكن أن تعتبر تصرفات فردية إلا إذا حظيت بالصمت بدلا من التنديد، والسكوت هو علامة الرضا، في الزواج وفي غير الزواج.

ولقد تصرف المجموع الوطني دائما من منطلق الإيمان بأن أي منطقة في البلاد ليست مسؤولة عن انحراف بعض أبنائها، وبأن تلك حالات شاذة، ولهذا انتظرنا من مثقفي المنطقة عدم التصرف بما أصبح كثيرون يرونه توزيعا للأدوار.

الطائرة المختطفة

الشعور الذي بدأ يسود في أوساط كثيرة هو أن منطقة عزيزة على قلب كل جزائري أصبحت في وضعية طائرة مختطفة، وتصرفات بعض المثقفين من أبناء المنطقة أصبحت تتجاوب، عمليا، مع المختطفين وتدافع عنهم بدلا من أن تدين تصرفهم، وتبرر الانحراف بأنه نتيجة للقمع والبطش والتنكيل الذي استهدف المنطقة وأباءها، وهو اختلاق سبق أن تناولته. وهكذا تتواصل بكائيات مظلومية مفتعلة تدين كل من تحملوا المسؤولية منذ استفتاء الشعب الجزائري على الاستقلال، وتدّعي أن الجيش والمخابرات استولوا على الحكم في 1962، والمقصود هو كل أنظمة الحكم ابتداء من أحمد بن بله ومرورا بهواري بو مدين والشاذلي بن جديد واليمين زروال ووصولا إلى عبد العزيز بو تفليقة، لكنها تتناسى أن المؤسسة العسكرية التي اختطفتها المخابرات كانت هي من جاء بالرئيس الأخير، والذي كان موقف المؤسسة العسكرية، بعد استرجاع الشعب لها، عاملا حاسما في إنهاء وجوده السياسي عبر موقفها الحازم وحمايتها لسلمية الحراك الشعبي.

وما زلت أقول بأن شعبنا في معظمه يرفض راية بينيت، ويكفي لتأكيد ذلك أنها لم ترفع على الإطلاق  في كل التجمعات الهادرة المناصرة لفريقنا الرياضي، وسواء داخل الوطن أو خارجه، وحتى في فرنسا نفسها، وصور التلفزة شاهدة.

ولن يجرأ أحد على القول إن هناك منطقة ما في الجزائر ترفض تشجيع الفريق الرياضي الجزائري في لقاءات حاسمة كالمباريات الإفريقية.

وفيما يتعلق بي، فأنا أتعهد بأن أرفع تلك الراية فوق منزلي إذا اعتمدها الشعب الجزائري في استفتاء حرّ وصريح كراية وطنية أو ثقافية أو فنية أو حتى رياضية.

وفي غير ذلك، فهي راية مسمومة يمكن أن يطلق عليها “العلم الضِّرار”، وهي طريق لفتنة …قد ” لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة”.

دكتور محيي الدين عميمور

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك