من الواضح أن نظام العصابة لا يريد من وراء الحوار أن يؤسس لجزائر جديدة

IMG_87461-1300x866

ليس مستغربا أبدا أن يرحل رئيس وزراء الجزائر ويغادر هو وفريقه الحكومي، إذا ما استمر ضغط الشارع ورضخت هيئة الوساطة والحوار لبعض الشروط المعروضة عليها. لكن كم سيكون عصيا وصعبا أن يرحل الرئيس المؤقت ويترك المرادية لقناص مجهول. ألم يكن الامر مشابها إلى حد كبير في الجارة الصغرى تونس، حين جلس رئيس مجلس النواب على كرسي الرئاسة بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي، إلى أن تم تنظيم انتخابات حرة؟
لم تكن الأحداث قطعا نسخا مكررة، ولا هي الآن كذلك. فعندما غيب الموت الرئيس الراحل قائد السبسي لم ينازع أحد في تونس في دعوة القائم باعمال الرئاسة للاقتراع على خلفه في قصر قرطاج في اقرب موعد ضبطه الدستور.
وفيما تقاطر قبل أيام على مقر هيئة الانتخابات ما يقرب من مئة مرشح للرئاسيات السابقة لأوانها، والمقررة منتصف الشهر المقبل، لم يطرق باب المجلس الدستوري الجزائري قبل نحو ثلاثة شهور من الآن ولو مرشحا واحدا ليقدم نفسه لسباق الرئاسيات، بل حصلت، على العكس، موجات نكوص جعلت عشرات المرشحين المحتملين يسحبون ترشحاتهم في اللحظات الاخيرة، ما حدا بالمجلس لأن يعلن حينها استحالة إجراء الاقتراع الرئاسي. ومن المؤكد أن الظرف على هذا الجانب وذاك لم يكن واحدا، ولا كانت الخلفيات هي نفسها، مثلما أن التزاحم على الترشح في هذه الجهة لم يكن دليل صحة ولا كان الامتناع في الجهة الاخرى دليل وهن.

تونس التي صعدت سلم الانتقال الديمقراطي قبل جارتها الكبرى وتقدمتها ببعض الدرجات، تمكنت بكثير من المشاق والنقائص من أن تخط المعالم الكبرى لطريقها، فيما ما زالت الجزائر تبحث إلى الآن عن المسلك المناسب لحراكها المدني والسلمي، الذي اقفل شهره السادس. ولكن هل كانت هناك نقطة التقاء ما بين المسارين التونسي والجزائري؟ وهل كان المشكل في بلد المليون ونصف المليون شهيد هو نفسه تقريبا في بلد الزيتونة، من حيث انه كان على الاثنين معا أن يجيبا كلا على طريقته على السؤال الكلاسيكي التالي: من أين نبدأ؟ وكان مطروحا عليهما المفاضلة بين مسألتين مبدأيتين في أي انتقال وهما، إما تقديم اختيار الرئيس على الشروع في التأسيس أو تسبيق المطلب الثاني على الأول؟ وبمعنى آخر أي أولويات كان يفترض أن توضع على طاولة حوار وطني؟ هل البحث عن سد فراغ دستوري بشكل ديمقراطي اصطناعي متسرع؟ أم ترك الوقت الضروري لوضع تصور فعلي لنظام جديد يقوم على أنقاض آخر لايزال يمسك بمفاصل الدولة ويقاوم رياح الثورة والتجديد ويرفض الاستسلام والهزيمة أمام قوى التغيير؟

ما يراه المناصرون المختفون أو المعلنون للدولة العميقة هو، أنه لم يعد هناك من مخرج آخر للحراك سوى البحث في مسألة الرئيس المقبل للجزائر، وكيف ستجرى الانتخابات التي ستسد فجوة فراغ دستوري، كثيرا ما حذر قادة الجيش من خطر السقوط فيه. فهؤلاء يعتقدون أن الهبة الشعبية التي انطلقت في فبراير الماضي قد استنفدت كامل رصيدها وزخمها الشعبي، وحققت غرضها وزيادة، ولم يبق لها من مبرر للاستمرار. ولعلهم قد يقولون، بينهم وبين أنفسهم وربما حتى لمن قد يصادفونهم من الشباب اليافع والمتحمس و»المغرر بهم»، كما وصفهم يوما قائد الجيش: أليس الافضل لكم أن تعودوا إلى بيوتكم ومدارسكم وجامعاتكم الشهر المقبل؟ ألم يتحقق لكم كل ما كنتم تصبون إليه؟ ألم يتراجع بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة ويترك بعدها مقعد الرئاسة؟ ألم تلغ في أعقاب ذلك الانتخابات الرئاسية التي كان يفترض إجراؤها الشهر الماضي نزولا عند رغبتكم؟ ألم يسجن الاخ المتنفذ ويدخل وزراء بارزون وشخصيات مرموقة سجن الحراش؟ ثم ألم يطلق الحوار الوطني للبحث في المرحلة الانتقالية والتحضير لانتخابات رئاسية حرة وشفافة ؟ فما الذي ما زال مفقودا أو مطلوبا تحقيقه أوالتخطيط لإنجازه إذن؟

وربما زاد بعضهم فخرج ليقول في المنابر الإعلامية عن أي حراك مازلتم تتحدثون؟ ألا ترون أن أعداد المتظاهرين تتناقص من جمعة إلى اخرى؟ ثم ألا تشاهدون كيف تتحول المطالب بمرور الوقت إلى مطالب فئوية وجهوية وتبعد يوما بعد آخر عن أن تكون مطالب وطنية وتحررية وسياسية مثلما كانت في الأول؟ ولكن أليس كل ذلك وهما في وهم؟ ألا تكون حالة الهدوء النسبي في شوارع الجزائر كما يسوقها الاعلام الان مظهرا خادعا ومضللا؟ ألسنا نشهد وضعا شبيها باستراحة محارب قد تسبق معركة فاصلة ربما تتم فصولها الشهر المقبل، أي مع عودة الطلاب للجامعات وانتهاء موسم العطل الصيفية؟ لا شك أن هناك انسدادا واضحا في أفق الحراك وغموضا والتباسا في تطورات المشهد، وطريقة التعاطي معه من الجانبين. غير أنه لا سبيل بالمقابل للوصول إلى حل قاطع وحاسم قد يجعل جهة ما تستشعر انتصارها الكاسح والواضح على الجهة الاخرى، فالتوافق يبدو ضروريا وملحا في مرحلة انتقالية ليس معروفا كم ستستغرق من وقت وجهد، والحوار على قصوره وعلاته ونقائصه سيكون في الاخير المخرج الوحيد لكل الازمات. لكن المشكل، ان جلسات هيئة الوساطة والحوار تبدو عقيمة وعاجزة عن استيعاب معظم الشعارات والمطالب التي يرفعها الشارع الجزائري ظهر كل جمعة، وليس معروفا إلى اي مآل ستنتهي وهل أن الطرفين، اي النظام والحراك الشعبي سيقبلان بها، وسيجعلان مقرراتها ومخارجها ملزمة لهما في رسم معالم المرحلة المقبلة أم لا. وقد تكون العقبة الكبرى أمام اللجنة هي في انفتاحها على رموز وشخصيات قد يراها طيف واسع من الجزائريين جزءا من العصابة التي طالب برحيلها كلها بلا استثناء. فهل لا مفر من وضع اليد مع هؤلاء للبحث عن حل سياسي في الجزائر؟ أم انه من الضروري في هذه المرحلة إبعادهم نهائيا؟ وفي تلك الحالة ألن يكون الحوار الوطني المفترض بلون واحد وفي اتجاه واحد لأيضا؟

في تجربة تونس سمح لرموز نظام بن علي بأن يعودوا ويشاركوا في الحياة السياسية، وحتى حين حل حزب التجمع بحكم القضاء فإنه أعاد تشكيل نفسه تحت مسميات جديدة. ولكن ستكون إحالة حزب جبهة التحرير الذي حكم الجزائر لاكثر من نصف قرن مثلا، إلى المتحف كما يطالب البعض حلا معقولا أم أنها ستعمق المشكل القائم من أصله؟
من الواضح أن النظام لا يريد من وراء الحوار أن يؤسس لجزائر جديدة، حتى إن عبر عن عزمه تنظيم ما سماها الندوة الوطنية. أما إلى أي مدى سيقبل الطرف المقابل مناوراته، وإلى أي وقت سيستمر الحوار على قصوره، وما الذي سينتهي اليه فهذا ما سيقرره الجزائريون بأنفسهم ليس لمستقبلهم وحدهم بل لمستقبل أحفادهم ايضا، وربما ستكون لهم في تجربة تونس والتنازلات التي قدمت فيها باسم الحوار الوطني أكثر من عبرة!

نزار بولحية

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. oujdi

    la sortie de la crise c est tout autrement que économiqueou sociale c est se libérer du régime militaire envoyer le FLN au m use oublier la haine oublier la guerre et la France et les archives oublier le Maroc et son Sahara oublier les moujahidine leurs cranes et leurs enfants oublier le 49-51 .votre sortie de crise ce n est que de l oubli c est tout

الجزائر تايمز فيسبوك