عندما يتصبب رئيس التحرير كاشيري مبردع عرقا وهو يتحدث في التليفون

IMG_87461-1300x866

كنت دائما قريبا كأستاذ جامعي وباحث، من مهنة الصحافة والصحافيين في الجزائر. وهو ما يسمح لي بالكتابة اليوم عن الأزمة المهنية والأخلاقية التي يعيشها رجال الإعلام ونسائه، ليس كأفراد فقط، بل كمؤسسات وفئة مهنية عرفت توسعا كبيرا في السنوات الأخيرة، أفرادا ومؤسسات.

مهنة تعيش أزمة أخلاقية فعلية في علاقاتها مع مجتمعها، كشفها للعلن بشكل واضح الحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر منذ أكثر من سبعة أشهر، لم يعد في مقدور أبناء وبنات هذه المهنة السكوت عليها، أو التعامل معها وكأنها وضع عادي. بعد أن عرّا الحراك عورات هذه المهنة، التي فقدت في الغالب الأعم، وباستثناءات قليلة، أدنى معايير التعامل المهني، في تغطيتها للأحداث المصيرية التي يعيشها البلد كمرحلة فارقة في حياة هذا الشعب، الذي لم يكن يجهل قبل هذا التاريخ ما كان يعيشه الإعلام من سلوكيات غير مهنية، تعبر عن نفسها أكثر في أوقات الأزمات، بما فيها الانتخابات على قلة تنافسيتها المعروفة.

وضع تعامل معه الجزائري بالإهمال التام لهذا الإعلام الموجه، تارة بالبحث عن البدائل خارج الحدود والتنويع في المصادر، وتارة باللجوء إلى الوسائط الاجتماعية كحل مثالي نزل من السماء. تعامل الجزائر مع الإعلام بأكثر من لغة، العربية زيادة على الفرنسية وحتى الإنكليزية جزئيا، خفف الضغط على الفئات المتعلمة، عكس الفئات الشعبية التي تحولت إلى ضحية يومية لهذا الإعلام الذي انتقل إلى مرحلة الدروشة والكذب العلني في السنوات الأخيرة. خلفيات كثيرة يمكن أن نعود اليها لتفسير هذه الحالة المتدنية التي وصلها الإعلام الجزائري، وهو يتحول إلى خطر فعلي على البلد وتجانسه الاجتماعي والثقافي، الذي حاول اكثر من مرة الإخلال به. في مجتمع ارتفع مستوى تعليم أفراده وانفتح أكثر على العالم، ما ساعده على الإفلات من هذه الكمائن المنصوبة له، خاصة بعد أن توسعت الساحة الإعلامية الوطنية إلى المجال السمعي البصري، بالشكل المشوه الذي ظهرت به، بمناسبة محطة الربيع العربي، التي فرضت على الرئيس المخلوع السماح بقنوات تلفزيونية خاصة، زادت، في الغالب، في تشويه الساحة الإعلامية بشكل لافت، ولم تنتج حتى الان تجربة مهنية واحدة ناجحة بمقاييس مقبولة، بعد التحرش السياسي الرسمي بأكثر من مشروع إعلامي أُغلق كان يمكن أن يتطور إلى الأحسن.

أسباب موضوعية كثيرة وذاتية يمكن أن تفسر هذه الصورة القاتمة التي ظهرت بها التجربة الإعلامية، وهي تتعرى بشكل علني بمناسبة هذه الثورة السلمية التي يقوم بها الشعب الجزائري، فهناك من الأسباب ما هو متعلق بالأفراد في حد ذاتهم كمحتوى ومسار تعليمي وخلفية ثقافية، وحتى أصول اجتماعية وجغرافية، يغلب عليها الطابع الريفي والشعبي. يمكن أن تكون عوامل تفسير للاختلافات الملاحظة بين الإعلامي المفرنس، وزميله المعرب، الذي عادة ما يكون أقرب كقاعدة عامة للقبول بأوضاعه المهنية والسياسية السيئة. وهو يدافع بشراسة عن أغلاله، في حالة مرضية غريبة. مستوى من التحليل يمكن اختصاره في هذه الصورة، الصحافة هي المهنة الوحيدة التي يمكن أن يمتهنها في الجزائر من لم يكمل المرحلة الثانوية من التعليم وحتى المتوسطة، في مجتمع أصبح فيه من العادي أن يكون الطبيب والمهندس وصاحب الشهادة العليا في وضعية بطالة. مهنة الدخول إليها يتم بيسر غريب، كما هو حال الكثير من المهن «العالمة» في الجزائر، التي عرفت تعليما قام بتوزيع شهادات على من يستحق ولا يستحق. داخل منظومة جامعية يغلب عليها منطق الكم، خرجت صحافيين بعشرات الآلاف، في وقت قياسي، ليجدوا أنفسهم في مؤسسات لا تساعدهم فقط على تطوير ما يملكون من معارف على بساطتها، بل تقوم بتشويهها. لنكون أمام بُعد مؤسساتي لا يمكن فهم آليات عمله وأهدافه وطرق تعامله الا بربطه بالإطار السياسي الأعم، الذي كان الرئيس فيه يقول بكل وقاحة، إنه رئيس التحرير الفعلي… لوكالة الأنباء، بعد أن رفض منذ البداية منح إمكانيات فعلية لمشاريع القنوات التلفزيونية الخاصة، وأبقاها عن قصد في وضع قانوني ومؤسساتي هش، لتكون تحت سيطرة نزواته السياسية وغير السياسية.

نظام سياسي ما زال مقتنعا بأن شرعيته مستمدة من نشرة الثامنة للتلفزيون العمومي، وليس من صناديق الاقتراع، حوّل الإعلامي إلى بوق دعائي أقرب للمنطق السائد في كوريا الشمالية، وبعض الدول النادرة التي ما زالت تسير على نهج قمع الحريات. نظام اعتمد على ريع الإشهار العمومي والخاص لاحقا، الذي حوله إلى سلاح فتاك باستطاعته أن يغير المواقف ويهين أخلاقيات المهنة بكل سهولة، سواء تعلق الأمر بالتلفزيون الخاص، أو اليومية التي تدعي الاستقلالية، إلا من رحم ربي، وبصعوبة كبيرة لم يقدر على مقاومتها إلا القليل النادر، رغم بقائه تحت التهديد اليومي والمساومات من كل نوع، بعد أن انتكست تجربة الإعلام المكتوب مع الوقت، كقاعدة عامة عرفتها الجزائر، بعد الانفتاح الديمقراطي في بداية التسعينيات.

مهنة الإعلام التي فشلت حتى الان في تنظيم نفسها نقابيا، رغم العديد من المحاولات، ليس من الصعب تفسيرها، اذا عدنا إلى التجربة الدولية للحركة النقابية، بما فيها الإعلامية، التي تخبرنا أنه، ولكي تنجح في تنظيم نفسك مهنيا لتدافع عن شروط عملك، وقيم مهنتك، بما فيها طريق الانضمام لها، لا بد أن تملك تقييما إيجابيا عن مهنتك، هذه التي ترتبط بها كخيار شخصي ومسار مهني وقناعة تدافع عنه في السراء والضراء. كما هو حال الجزائريين هذه الشهور وهم يعيشون يوميات ثورتهم السلمية التي جعلتهم يكتشفون فيها، أنه لا يمكنهم أن يعولوا على صحافيين للدفاع عنهم وعن مطالبهم الوطنية، هم الذين لا يحصلون على أجورهم الشهرية بانتظام، يشتغلون في اكثر من مؤسسة بأسماء مستعارة لسد رمق عائلاتهم، يعيشون تحت طائلة التهديد بالطرد لأتفه الأسباب، من قبل مدير أو مالك مؤسسة أصبحوا يعرفون بالتجربة أنه عندما يتصبب عرقا وهو يتحدث بالتليفون فالامر يتعلق بمكالمة مع ضابط المخابرات المكلف بالإعلام، في إحدى الثكنات، الذي تحول إلى رئيس التحرير الفعلي في المؤسسة العامة والخاصة التي يشتغلون فيها.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك