لـ"النوفمبرية الباديسية"وجه آخر...

IMG_87461-1300x866

إن أي قراءة جيدة لـ"عقل " السلطةالفعلية" منذ بدء الثورة السلمية ، وخروج الصراع بين "الحراك" و"قيادة الأركان" الى العلن،ستوصله الى مجموعة ملاحظات يبني عليها كل مقارباته للراهن المنظور ، وما يمكن أن يرتسم من خطوط في لوحات الأفق.. "سلطة الأمر الواقع" ظلت تتحرك من منطلق راسخ في كينونتها، رسوخ أقدامها في هرم الموقع الذي تربعت عليه بالقوة منذ لحظة "الاستقلال"،وهو "أولوية العسكري على السياسي" وأحقيتها في الهيمنة والوصاية من وراء ستار ،أو واجهة مدنية..ولذلك فهي لم تكن تتصور إطلاقا أن عرشها هذا سيتعرض الى زلزال عنيف ،قد يصل الى أعلى الدرجات على سلم مقياس "ريختر"..

ومن ثم فالصدمة التي أصيبت بها بعد انفجار الحراك الشعبي ظلت تتسع وتكبر، فهي لم تكن تحسب لهذا الاحتجاج "التسونامي غير المسبوق" حتى في المنام ،وحتى قرون استشعارها لم تلحظه إطلاقا، ولو تراءى لها ذلك في مراصدها ، لاختارت مرشحها ولم تتردد، ومررت لعبتها المشبوهة كما اعتادت في السابق ،وأراحت الرئيس المخلوع واستراحت ،ووضعت حدا للقوى غير الدستورية التي دمرت البلاد وأشاعت الفساد في البر والبحر، وأوصلته الى أعلى عليين...

وبقدر ما فوجئت بهذا الحراك في بدايته،راحت تستخف به، وتصف حشوده بـ"المغرر بهم"وأن "الأيادي الأجنبية"هي التي تحركه،وراحت تهدد وتتوعد،ولكن الحراك بحساباته الدقيقة وذكائه الاستراتيجي استغل اللحظة التاريخية الذهبية التي طفح فيها كيل الشعب، ووصل تذمره وشعوره بالاهانة الى حد لا يطاق ، خاصة بعد قرار الذهاب الى عهدة خامسة لـ"الكادر"،فإستغل هذا المناخ وسدد رميته ، فكسر بها "حاجز الخوف" لحظتها وعبر ثمانية واربعين ولاية، ليتلوها بعد يومين أو ثلاثة بإخراج الطلبة في مسيراتهم من أهم الجامعات ، ليلتوها بعد يومين أو ثلاثة المسيرة الثانية للحراك،وظلت هذه النسخة الاسبوعية تتكرر، ولم يترك لهذه السلطة أن تلتقط أنفاسها ،أوأي لحظة تفكير لمواجهة هذا الطارىء الخطير الذي لم تحسب له حساب..لتأتي بعدها مرحلة تبادل الرسائل والخطابات بين الطرفين المتصارعين..

"الحراك"بسلميته وحضاريته ومليونياته أبهر العالم وانتزع إعجاب الجميع ،وانهالت عليه مشاعر التقدير وشهادات الثناء والكفاءة وحسن الأخلاق ..هذا "الحراك" الذي مسك بزمام المبادرة ،كشف منذ الوهلة الأولى عن مفردات أجندته "ماكانش الخامسة" دعا الى "تغيير منظومة حكم العصابة وبشكل جذري وتطبيق شعار"يتنحاو قاع"أي كل رؤوس الفساد ،كما دعا الى "دولة مدنية وليست عسكرية"و"الذهاب الى مرحلة انتقالية تتخلص فيه البلاد من الحكم الشمولي الفاسد الى دولة القانون والعدالة والمؤسسات"..

أما السلطة الفعلية"فظلت مرتبكة،تتخبط ،لا تعرف كيف تتصرف،ووجدت نفسها مضطرة للخروج الى العلن ، وجها لوجه مع الحراك ، سقطت عنها كل الأقنعة ، وداهمها هذا الزخم الهائل المليوني من "الحراك الشعبي"وحاصرها أمام مرآى ومسمع من العالم..فهل كان في مخزونها السياسي والاستراتيجي من المرونة والانفتاح والقدرة على احتواء هذا الحدث الجلل ما يجعلها تتنازل وتتحاور بشكل جدي ،للوصول الى تفاهمات وتوافقات بتطبيق المادتين 7 و8 وتنهي عليها هذه المرحلة الخطيرة والصعبة ،وتخرج البلاد من هذا النفق الى جمهورية جديدة ،وتدخل التاريخ من بابه الواسع..؟أم أن هذه الرؤية منعدمة تماما، والتصحر والنضوب السياسي من كل القيم الوطنية والاخلاقية والانسانية هو الذي يميز عقل "قيادة الاركان"..؟

من هذا المنطلق ساد منطق المناورة والمراوغة واستخدام كل اساليب الحيل والخداع في التعامل مع هذا الحراك ابتداء من إدخال رؤوس العصابة الى سجن الحراش، وتصوير ذلك على أنه إنقاذ للحراك من مؤامرة خطيرة ،ثم وعد بتطبيق المادتين 7 و8 ،والاستمرار في كسب الوقت وتحين أي فرصة للانقضاض على المشهد وتجديد الوصاية على هذا الشعب ، لكن هذه المصداقية المزيفة والتي ضللت بعض الناس سرعان ما انهارت بعد الشروع في الاعتقالات ،ومحاربة حملة الرايات التي ترمز الى هويات ثقافية ،ثم اختطاف رموز ونشطاء الحراك والذي مازال مستمرا الى حد هذه الساعة.ولم تترك سلطة الأمر الواقع أي ورقة من أوراقها المستخدمة في كسب معركة الرأي العام و تفكيك بنية الحراك إلا واستخدمته في معركتها الناعمة..فعسكرت القضاء وحولته الى عدالة التيلفون ،وأدخلت القضاة الى بيت الطاعة من جديد ،بعد أن استبشر "الحراك"بخروج القضاة لمساندته والدعوة لتحرير القضاء واستقلاله..ثم إمتدت العسكرة الى الإعلام ،ووجدت فيه القابلية للاستحمار،فركبته وإستخدمته في الدعاية والبروبوغاندة لمشروع"القايد صالح" ومناهضة "الحراك"..

وأنزلت فجأة "لجنة حوار"بـ"البراشيشت"وبدون استحياء ،وحاورت على طريقيتها الأشباح والمنتفعين المتزلفين ، وخرجت لنا بسلطة للاشراف على الانتخابات بقوانين قديمة ،وعناصر من العصابة في ظرف قياسي شاذ لم يحدث في أي تاريخ من تواريخ الانتخابات في العالم..وتوالت الفضائح والروائح الكريهة التي تزكم الأنوف في مشهد تنصيب مكاتب سلطة الانتخابات وبيع استمارات التي يجمعها المترشحون الذين تجاوزوا العدد 140 بمستواهم الهزيل والمضحك .. لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس..

لكن بعضهم خرج عن الصمت وفضح المفضوح وأكد مقولة الحراك "لا انتخابات مع العصابات"ولا نزاهة ولا نظافة لهذا الاستحقاق،وأن الصندوق سيمتلأ بأوراق مرشح السلطة..واللعبة مغلوقة ومكشوفة..ثم جاءت الفضيحة الكبرى وهي الإصرار على تمرير مشروع قانون المحروقات المشبوه الذي ناقشته سلطة الأمر الواقع مع الشركات الأجنبية الكبرى- حسب وزير الطاقة- وصادق عليه مجلس الوزراء،في انتظار مصادقة الغرفتين، ولم تسمع لأصوات الملايين من الشعب ،ولم تبالي باتهامات العمالة والتخوين والتهديد بإعدام الخونة..ثم جاء المشهد الانتخابي التونسي الرائع ،وتألق صورة "الديمقراطية"،والانتقال السلس للحكم وبطريقة شدت إليها أنظار العالم مما جعل المراقبين يتساءلون ويقارنون بين المشهدين التونسي والجزائري،وهذا الأمر سيكون له مفاعيله على المدى المنظور بكل تأكيد..

إن شعار"النوفمبرية الباديسية"والذي يضم كل منهما ميثاقا لأرقى المبادىء الانسانية التي تضمن سعادة الانسان وحياة الرفاه المستقرة..قهي تقريبا المدينة الفاضلة أو جمهورية أفلاطون التي يطمح ان يصل اليها أولئك الذين عانوا من نير الاستعمار وطغيان المستعمر الغاشم..أما "الباديسية "فهي النسخة الأخرى لهذا المجتمع الراقي الذي تحكمه روح الاسلام والذي نسجته دعوة ابن باديس الاصلاحية،وهو يقوم على أرقى قيم ومثل البشرية والتي جاء بها الاسلام لتعيش هذه الانسانية في انقى صور السعادة وأبهى مشاهد الحياة الطيبة... بالمختصر المفيد..فـ ورقة "النوفمبرية الباديسية" هي نكتة سمجة،وغطاء براق ،ووهج خادع لتضليل العقول المحدودة والنفوس الضعيفة ، وتمريرأخطر مؤامرة على الشعب الجزائري،وإعادة تجديد نظام العصابة وبسط الشمولية والديكتاتورية بوجهها الجديد لعقود أخرى من الزمن..فهل تستطيع قيادة الاركان من تحقيق هذا الهدف وإتاحة مناخا جديدا يسمح لها من أن تمد أرجلها بكل راحة وانتشاء الى مدى زمني ليس بالقصير..؟

أم أن الحراك سيقلب الطاولة ويسقط المعبد على أصحابه ، وهو المتسلح بقوة الحق وعدالة قضيته ، وسلميته القاتلة وحضاريته المبدعة ، ووحدته المشهودة..؟هذه الأسئلة ستجيب عليها الأيام القادمة من دون شك ..وإذا كان "الحراك"يقول عنه أصحابه أنه واجب وطني،فإن عقل "الحراك" مدعو لإختلاق وسائل جديدة تناسب حجم التحديات ،وتصوب سهامها في المقتل الحقيقي ،وتحقق بها الضربة القاضية مع خصم جاهل متحجر لا يقرأ التاريخ ، ولا يستفيد من تجارب الشعوب ،بل تتحكم فيه غرائزه الحيوانية ، ويعتد دائما بعنترياته العضلية ، وقواته العسكرية المادية ليس إلا.. فماذا يخبىء لنا المشهد القادم..؟

سامية-ب للجزائر تايمز

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. une mafia avec un drapeau

  2. ce n'est qu'un casse mes freres laissez vous faire c'est depuis 1962 que ca dure sa fakhamatou s'etait fait la main avec les holdup Des consulats et Les ambassades il a Les cartes biseautees en main il n'est revenue que pour partir avec toute la recette

الجزائر تايمز فيسبوك