منتجع سوتشي يعيد روسيا إلى الحديقة الإفريقية

IMG_87461-1300x866

استضاف منتجع سوتشي الواقع على البحر الأسود في 23/24 تشرين الأول/اكتوبر أول قمة على الإطلاق بين روسيا وافريقيا، وحضر المنتدى حوالي 10 آلاف شخص. وتم تمثيل جميع دول القارة البالغ عددها 54 دولة، منها 43 دولة على أرفع مستوى، بالإضافة إلى ثماني من أكبر الجمعيات والمنظمات الافريقية للتكامل. كما افتتح على هامش القمة المنتدى الاقتصادي. وشارك حوالي 800 صحافي يمثلون وسائل الإعلام في روسيا و43 دولة أجنبية في تغطية المنتدى الاقتصادي والقمة. وتقرر عقد المنتدى الاقتصادي الروسي/الافريقي كل ثلاث سنوات، واقترح تنظيم المنتدى التالي في أديس أبابا. وأسفرت القمة عن التوقيع على بيان وافق المشاركون فيه على “العمل سويًا لتعزيز الأمن وعدم الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب والتهديدات البيولوجية وإصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

واعتبر المراقبون ان انعقاد القمة يصب في النجاحات السياسية للرئيس فلاديمير بوتين، في إطار استعادة مواقع روسيا في العالم، لا سيما في الشرق الأوسط، وفي أمريكا الجنوبية، فضلا عن آسيا ـ المحيط الهادي، والآن دعا إلى قمة روسيا ـ افريقيا من أجل أن تستعيد موسكو مواقعها التي فقدتها هناك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ورسم خريطة طريق لتطويرها وتحديد المجالات التي يمكن التعاون فيها. يشار إلى أن روسيا فقدت في تسعينيات القرن الماضي جميع مواقعها تقريبًا في افريقيا. كما أغلقت موسكو العشرات من سفاراتها في افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، أدت إلى خسائر استراتيجية تحتاج إلى تعويضها. وجاءت القمة أيضا في إطار الاتجاهات الجديدة لسياسة روسيا الخارجية، بعد ان تعكرت سياسيا واقتصاديا بشكل حاد مع الغرب. وانعقدت القمة مباشرة بعد توقيع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي طيب رجب اردوغان مذكرة، وصفت بالتاريخية، حول تطبيع الوضع في شرق سوريا، وإيقاف عملية “نبع السلام”.

وتمحور الخطاب الروسي خلال القمة على ترويج القدرات الروسية في مختلف المجالات، بما في ذلك الاستثمارات، لتكون المفتاح إلى أبواب القارة الافريقية، فضلا عن التعرف على الإمكانات التكنولوجية والمالية والخامات التي يمكن ان تستفاد منها روسيا، وشددت على نبرة نظام الأمن والاستقرار في كل دولة، محذرة تلك الدول من الانزلاق في المنحدر الليبي، وكذلك أكدت على ضرورة احترام السيادة، والاستقلال لكل دولة، على خلفية ما تصفه موسكو بانهيارات النظام الدولي. ولوحت موسكو للدول الافريقية بأفضليات التعاون معها في المجال العسكري/الفني. كما نوقشت في قمة سوتشي أهمية التعاون مع الدول الافريقية. وقال بوتين في كلمة ألقاها في الجلسة العامة “إن الدول الافريقية تكتسب بثقة ثقلها السياسي والاقتصادي، مؤكدة أنها أحد الركائز المهمة للنظام متعدد الأقطاب في العالم، وتقوم بدور نشط بشكل متزايد في تطوير قرارات المجتمع الدولي بشأن القضايا الرئيسية لجدول الأعمال الإقليمي والعالمي”. ووصف تطوير العلاقات مع افريقيا والمنظمات الإقليمية لدول القارة بأنها أحد المجالات ذات الأولوية للسياسة الخارجية الروسية.

وتعتمد سياسة روسيا في افريقيا اليوم على الحرب المشتركة ضد الإرهاب الدولي وتهريب المخدرات والقرصنة وانتشار أسلحة الدمار الشامل والهجرة غير الشرعية والأوبئة مثل الإيبولا، والتدريب العسكري للبلدان الافريقية. وخلال السنوات الخمس الماضية، تم تدريب أكثر من 2.5 ألف عسكري من هذه الدول في المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة الدفاع في الاتحاد الروسي. ولدى أكثر من 30 دولة اتفاقيات مع روسيا حول التعاون العسكري التقني. وقامت في عام 2018 بتزويد الدول الافريقية بالأسلحة بأكثر من 2.36 مليار دولار، وتشمل هذه القائمة جمهورية افريقيا الوسطى ومالي والكونغو ورواندا ومدغشقر والأهم من ذلك كله أن الأسلحة الروسية تشتريها الجزائر ومصر وأنغولا. في 2014-2018 قدمت روسيا 49 في المئة من واردات الأسلحة إلى شمال افريقيا، في حين قدمت الولايات المتحدة 15 في المئة، والصين 10 في المئة. وجرى خلال القمة التوصل لاتفاقات جديدة في المجال العسكري، على وجه الخصوص، مع نيجيريا، وأفاد الرئيس الناميبي حاج هينهوبي، إنه طلب من موسكو إرسال مستشارين عسكريين.

ويؤدي النمو المتسارع في افريقيا، الى ارتفاع الطلب على السلع الاستثمارية والتكنولوجيا المتقدمة. وتضع روسيا من ضمن برامجها الدخول لأسواق افريقيا بطائراتها وتكنولوجيا الفضاء والشاحنات والمركبات الزراعية والأسمدة والمواد الكيميائية والمنتجات الكهربائية والأدوية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وتراهن موسكو على أن تقدم أسواق القارة مساهمة كبيرة في زيادة مكون الصادرات الروسية بخلاف الموارد. وتحدث قادة افريقيا عن مشاريع جديدة مع روسيا وأكدوا على دورها المهم في المنطقة.

أخطار السياسة

وتتطلع روسيا من تعزيز مواقعها في افريقيا إلى أنها ستجني فوائد اقتصادية جيوسياسية. وقال مستشار الرئيس الروسي أنتون كوبياكوف إنه خلال المنتدى الاقتصادي الروسي الافريقي في سوتشي، تم توقيع عقود تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من 800 مليار روبل (الدولار يعادل حوالي 64 روبلا). ووفقا له، تم توقيع أكثر من 50 عقدا. وتنظر موسكو إلى افريقيا على أنها “قارة أنها غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك الفاناديوم والكروم والكوبالت، وهي نادرة في روسيا”. و”تهتم روسيا بوجود اليورانيوم والبوكسيت والماس والمعادن البلاتينية في الأسواق المحلية”. وتعد المشاركة في صناعة النفط والغاز مهمة أيضًا وفقًا لبعض التوقعات.

وتأخذ موسكو بنظر الاعتبار إن افريقيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي زادت وارداتها من روسيا بعد أن فرضت أمريكا والاتحاد الأوروبي عقوبات على موسكو. ففي عام 2018 بلغت التجارة بين روسيا وافريقيا 20.4 مليار دولار، ومنذ عام 2010 تضاعف حجم الصادرات الروسية إلى الدول الافريقية ثلاث مرات تقريبًا. في عام 2018 بلغ حجم التجارة الخارجية لروسيا مع افريقيا أكثر من 20 مليار دولار، وتضاعف حجم التجارة في خمس سنوات. ويجري تنويع الصادرات الروسية تدريجياً، وهيكلها يتغير لصالح الإمدادات غير المتعلقة بالموارد.

في الوقت نفسه، فإن الوجود الروسي في افريقيا أدنى من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الصين. فإذا كان حجم التبادل التجاري بين الدول الافريقية وروسيا 20 مليار دولار، فهو مع الولايات المتحدة حوالي 54.2 مليار دولار، والصين 170 مليار دولار.

وكما كتبت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” فإن توسيع التعاون مع افريقيا محفوف بأخطار سياسية عالية. وإن الحالة في عدد من البلدان في القارة ليست بعيدة عن الاستقرار فحسب، بل إنها مستمرة في التدهور، مشيرة إلى الوضع في ليبيا. وترى أن واحدة من المشاكل الرئيسية التي ينبغي أن تأخذها موسكو في الاعتبار هي المنافسة الشرسة للصين، حيث يقدم الصينيون قروضًا هائلة للدول الافريقية بشروط تفضيلية، وبعد إبرام عقود كبيرة، يمنحون أيضًا مكافآت في شكل بناء منشآت اجتماعية مثل المدارس أو المستشفيات. و 39 من 54 دولة في القارة مدرجة في مبادرة بكين “حزام واحد – طريقة واحدة”. وقالت: إن اعتماد افريقيا على الصين قد يصبح إحدى المزايا التنافسية لروسيا، ففي عدد متزايد من البلدان يتحدثون صراحة عن الاستعمار الأصفر، ويبحثون عن شركاء من دول أخرى من أجل تخفيف روابطهم مع بكين”.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك