هل ما يزال ممكن انتشال الصحافة الجزائرية من الوحل؟

IMG_87461-1300x866

الصحافة الجزائرية واحدة من أبرز ضحايا ما بعد المخلوع بوتفليقة، أي عهد قايد صالح ـ ابن صالح. القمع الذي يعيشه قطاع الإعلام في الجزائر اليوم غير مسبوق. القمع نوعان: قليل منه مباشر ملموس كالذي تعرض لها صحافيون ومذيعون بالقناة الثالثة الإذاعية الناطقة بالفرنسية من خلال منع برامجهم ومعاقبتهم على مواقفهم السياسية. والنوع الثاني، الغالب، هو عبارة عن مشهد كامل من الرداءة والإحباط، في أحسن الأحوال سلبي تجاه الإبداع الصحافي والحرية الإعلامية، وفي أسوأ الأحوال يقمع كل محاولة للخروج عن رغبة الحاكم الذي في يده القوة والغلبة.
النوع الثاني من القمع وُجد في المخلوع بوتفليقة وعهده البائد. كان المخلوع وزبائنه يتباهون بأن الجزائر خلت في عهدهم من سجناء الرأي، ولم تعتقل صحافيا واحداً. يتناسى هؤلاء أن صحافيا اسمه محمد تمالت توفي في السجن بسبب آرائه، وأن لا أحد تعرض للمساءلة في تلك الجريمة. ويتناسون أن في عهدهم جاعَ صحافيون وتشردوا، ونزلت الصحافة إلى حضيض خطير.
وحتى على افتراض أن ادعاءهم ذاك فيه شيء من الصحة، لا يجب أن ننسى أن الصحافة في عهدهم الموبوء بالفساد والمظالم، سبّحت الصحافة بحمد المخلوع ليس عن قناعة إنما رعبا أو تزلفا، فلم يكن هناك أي داعٍ لملاحقة صحافي قضائيا أو سجنه. وقد أغرقها ذلك في فساد لا مثيل له. هذا ناهيك عن أنها لم تذق طعم الحرية، بل ساهمت في اغتيال أي بصيص أمل أو حرية. والمحصلة الأخيرة، والأخطر، أن العنوان البارز للصحافة في عهد المخلوع، إذا أردنا أن نمنحها عنوانا، أو تعريفا، هو الفساد. وسط ذلك الظلام الدامس بقي صحافيون قليلون يجتهدون، في الغالب بلا جدوى، من أجل واقع أقل بؤسا.
ذلك السوء في حال الصحافة الجزائرية لا ينافسه إلا حالها اليوم. أما الأمل الذي نشأ مع انتفاضة 22 شباط (فبراير) فصمد أسابيع معدودة ثم انقلبت الأمور إلى واقع محزن جعل متظاهري الحراك، ومنذ بداية الصيف، يجدون في كل جمعة ما يمنحهم ذخيرة لانتقاد الصحافة ومهاجمتها.
أكثر من الصحافيين، الصحافة هي التي تُغتال اليوم على مذبح «النوفمبرية والباديسية». باسم هذا الشعار تداس القيَم الصحافية وتهان. ومع الصحافة حق الناس في إعلام نزيه، وفي الاستماع إلى آراء أخرى غير التسبيح بحمد قائد أركان الجيش ورئيسي الدولة والحكومة، وغير تمجيد انتخابات 12 كانون الأول (ديسمبر) كأنها استقلال جديد تنتظره الجزائر.
واقع الحال اليوم أن الجزائر أمست بلا صحافة. فيها أجهزة دعائية ومؤسسات تبيع منتوجا رديئا هو عبارة عن كلام لا صلة له بالصحافة كمهنة وقيمة. وفيها صحف ومواقع إخبارية بلا حول ولا قوة، تصارع من أجل الاستمرار، وعاجزة عن المنافسة وعن تقديم منتوج جيد.

رغم هذا الواقع المأساوي، لم يفت الأوان بعد. رغم الرداءة وتسرب اللصوص والمهرّبين وناهبي المال العام إلى الجسم الصحافي، لا يزال من الممكن إنقاذ الصحافة الجزائرية وانتشالها من الوحل. ومن دون تعليق آمال كبيرة وطوباوية، الهدف العاجل والأسمى هو وقف تدحرجها إلى أسوأ مما هي الآن. الأهم أيضا أن ندرك أن الإنقاذ لا يتحقق بقرارات فوقية وهدايا تتبرع بها السلطات، كما جرت العادة. بل بجهد يومي وإصرار مفتوح لا يختلف عن جهد الذين يتظاهرون كل ثلاثاء وكل جمعة وإصرارهم.
إذا كان هناك في الجزائر من يؤمن بأن مشاريع بناء الدولة والديمقراطية لا يمكن أن تتم دون الجيش أو ضده، ففي حال الصحافة يجب الابتعاد عن هذا التنظير، لأن عكسه هو المطلوب: الإنقاذ يتم من دون السلطة وضدها. الحريات لا تُهدى، والنظام الجزائري يحمل في جيناته كرها أعمى للحرية وخوفا مزمنا منها. لهذا يحاربها حيثما اشتم رائحتها. الحركة الاحتجاجية التي تشكلت قبل أيام عبر بيان سُميّ «صرخة صحافيين جزائريين ضد القمع والتعسف»، يمكن أن تشكل منطلقا. سيأتي من يجد لهذه المبادرة العيوب والمآخذ، لكن يكفي أن مئات الصحافيين اقتنعوا بأن القمع الذي تتعرض له مهنتهم لم يعد يطاق، واتفقوا على الجهر به بأعلى صوتهم. قبل زمن وجيز لم يكن ممكنا التوصل إلى اتفاق كهذا. لم يكن ممكنا جمع عشرة صحافيين جزائريين على رأي واحد حول تعريفة الكهرباء أو أسعار الخضر في سوق الجملة. «البيان ـ الصرخة» الذي جمع مئات صحافيين من كل الأطياف والأجيال والتوجهات، هو علامة على أن الوضع خطير، وخطورته هي التي جمعت هؤلاء على كلمة واحدة.
المرحلة المقبلة يجب أن تكون انتقالا من اللائحة الإسمية الإلكترونية إلى عمل ميداني من قبيل مشاركة في الحراك بمربعات محددة وشعارات مدروسة. أو اختيار يوم بعينه يتظاهر فيه الصحافيون مثلما اختار طلاب الجامعات الثلاثاء.
الواقع الإعلامي اليوم في الجزائر اليوم يشبه حالها قبيل بدء الحراك. الأسباب التي قادت إلى 22 شباط (فبراير)، يمكن بسهولة أن تقود إلى حراك إعلامي كل ظروفه ومسبباته جاهزة.
الجزائر سبّاقة إلى الحريات الإعلامية بفضل تضحيات شباب 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1988 ثم صحافييها، ومن المعيب أن تنزل إلى هذا الدرك المخزي بسبب سلطة فاشلة عقيمة وفئة من «لصوص الكلمة» والمتطفلين على الصحافة، والصحافيون يتفرجون.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. le peuple Algerien a pris conscience que Le pouvoir militaire est la ca use de ses malheurs et de ses calvaires

الجزائر تايمز فيسبوك