في بلاد ميكي...كيف أصبح نائب وزير مكلف بشتم الجزائريين

IMG_87461-1300x866

هذا ما يمكن أن تصير إليه الأمور في الجزائر، اذا أطلقنا العنان لخيالنا «شوية» كما يقول الجزائريون. أن يتم تعيين وزير أو نائب وزير في الحكومة الجزائرية يكون مكلفا رسميا بحقيبة، سبّ وشتم الجزائريين، كما فعل وزير الداخلية الأسبق، من داخل قبة البرلمان، أمام النواب المحترمين، قبيل الانتخابات الرئاسية 2019 عندما وصف الجزائريين المعارضين لها.. بالشواذ والمثليين والمرتزقة. ليضيف الرجل أنه يعرفهم واحدا واحدا. زميل له متواجد في السجن حاليا، بتهم فساد ثقيلة، كان قد سبقه في شتم الجزائريين الرافضين لعهدة خامسة للرئيس بوتفليقة ليلعنهم هم وأباءهم.. «يلعن بو اللي ما يحبناش».
ما تفوه به منذ أسبوع الوزير الحالي للشباب والرياضة، يمكن ضمه إلى هذه العينة من الشتائم الموجهة من قبل بعض أعضاء الطاقم الوزاري، للجزائريين المختلفين سياسيا، مع توجهات الحكومة، وهو يصرح بأن الجزائريين، غير الموافقين على التعديلات الدستورية، عليهم البحث عن بلد اخر ومغادرة الجزائر. حملة انساق وراءها حتى وزير الشؤون الدينية الذي أقحم عنوة رسول الإسلام فيها، وهو يدافع عن التعديلات الدستورية. حالة تشنج تزداد وتيرتها في وقت الاستحقاقات الانتخابية المفروضة على الجزائريين.. بهفواتها التي لم يسكت عنها الجزائريون، وطالبوا باستقالة المعنيين، وهو ما تم فعلا بالنسبة لوزير الداخلية الاسبق. وحتى بعض الولاة الذين تورطوا في مثل هذه التصريحات التي يجب البحث لها عن تفسير مقنع على أكثر من صعيد فردي، مرتبط بالشخص نفسه الذي صدرت عنه هذه الأقوال، والنظام السياسي الذي يشتغل ضمنه، وحتى الظرف السياسي الذي تحصل فيه.
المستوى المؤسساتي قد يفيدنا أكثر لو نبدأ به للحديث عن هذه الظاهرة المرشحة للزيادة، إذا افترضنا أنها مرتبطة بحالة التخبط السياسي، التي يعيشها النظام السياسي، بالثقافة السياسية المعروفة عنه. مستوى سياسي لفهمه يجب ربطه إذن بالثقافة السياسية، التي يتم داخلها تنشئة هذه النخب السياسية والإدارية، المقتنعة أنها يمكن أن تقرر ارسال المواطنين للجنة، من دون رضاهم إذا اقتضى الامر، لأنها تعرف مصلحتهم ومصلحة البلد أحسن منهم، وبالتالي ما عليهم إلا السكوت وطاعة الأوامر وعدم مناقشتها. وهي تدلي بتصريحاتها السياسية، الموجهة لصاحب القرار، الذي يجب مغازلته للحصول على القبول منه، حتى لو أدى ذلك إلى الزيادة في شطط الكلام، والمغالاة في الدفاع عن الأوضاع السياسية، وسبّ المواطنين، اثناء تجمعات شعبية لم تتعود هذه الوجوه السياسية الجديدة على التحكم فيها ولا على ما تقوله اثناءها.
ما لم تنتبه إليه هذه الثقافة وممثلوها من وزراء وولاة، أن المواطن الجزائري، تغير بعد الحراك، ولم يعد يقبل بالسكوت وتحريك الرأس دليلا للموافقة – الساكتة، لأنه يريد إبداء رأيه ومناقشة المسؤول، حتى ما يتعلق بالتفاصيل. تحول لم يقبل به المسؤول الجزائري الذي تعود على أن كلامه هو الحقيقة المنطلقة، غير القابلة للنقاش. لنكون بذلك أمام محطة لانطلاق سوء الفهم والتفاهم، بما يفترضه من سبّ وشتم من قبل المسؤول صاحب الحقيقة المطلقة. مسؤول لم يتعود على النقاش داخل الحزب والنقابة والجمعية، ما لم يكسبه القدرة على الإقناع والحوار الذي يجهل أبجدياته، بدءا من اللغة ذاتها التي لا يحسن التعامل بها عندما يتعلق الأمر بالعربية الفصحى، هو الذي قرر إبعاد الدارجة من تعامله اليومي الرسمي، كالكثير من النخب، التي مازالت تعتقد أن اللغة الفرنسية هي اللغة الأمثل للتعامل مع المواطنين، أو الفصحى المكسرة التي لا يتحكم فيها. مسؤول اكتفى بتعليم داخل نظام تلقين – مثال المدرسة الوطنية للإدارة التي تخرج منها الكثير من الولاة والوزراء – يعيد انتاج هذه الهرمية بين المواطن والمسؤول التي تحولت إلى حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش، بعد أن منحها مساحيق «علمية ومعرفية» انتجتها الحالة الفرنسية المركزية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. مسؤول لم ينتبه من جهة أخرى إلى حالة الحضور المكثف للتلفون الذكي، وكل الوسائط الاجتماعية التي تنقل مباشرة اللقاءات، التي كان يقوم بها المسؤول في قاعات مغلقة، يستطيع أثناءها التفوه بأي كلام من دون حساب.

زيادة منسوب الشتم والقذف الذي يتعرض له الجزائريون، له علاقة أكيدة من جهة أخرى، بأزمة النظام السياسي ذاته، وهو يقوم هذه السنوات الأخيرة باختيار ممثليه على المستوى الوطني كالوزراء، والمحلي مثل الولاة، في وقت تعثرت فيه قنوات التوظيف القديمة، ولم تعد قادرة على إنتاج الوجوه المطلوبة على غرار أحزاب السلطة، وحتى الإدارة المركزية وبيروقراطية الدولة. بعد احتراق وجوه الصف الأول داخلها، ما جعلها تتجه نحو وجوه الصف الثاني، وحتى الثالث التي عاشت في أيام قليلة عملية صعود سريع افقدتها صوابها. ليحصل لها نوع من فقدان التوازن والمعايير، كما تقول السوسيولوجيا الفرنسية -l’anomie- عبّر عن نفسه في شتم وتطاول على الجزائريين. من قبل حديثي نعمة وسلطة. حالة عاش مثلها النظام السياسي في بداية التسعينيات، وهو يمر بتبعات أزمة انتقال سياسي فاشلة وعنيفة، أوصلت إلى مراكز السلطة التشريعية والتنفيذية أناسا لم يصدقوا حتى الان وبعد أكثر من ثلاثين سنة ما حصل لهم من تغيير سريع، أثر في سلوكياتهم الشخصية وعلاقاتهم مع محيطهم، بعد حالة تضخم للانا غير مسبوقة. كان لها نتائج سلبية حتى على المستوى العائلي والإنساني.
فرضيتي أن عمليات شتم الجزائريين لن تتوقف أو تقل على الأقل، إلا في حالة واحدة، أن ينجز النظام السياسي عملية انتقال سياسي توافقية، تكون نتيجتها بناء مؤسسات سياسية وتسيير شرعية، بنخب جديدة تتمتع بالشرعية، كما طالب بها الحراك الشعبي منذ خروجه في 22 فبراير/شباط، الذي أصر من يومه الأول على إبعاد هذه الوجوه التي تسلطت عليه، وعاثت في الأرض فسادا، كما بينته المحاكمات التي مازالت قائمة. فرضية لن تكون سهلة التحقيق ومضمونة النتائج ونحن نشاهد الحالة العربية، التي أنتج فيها التغيير، في الكثير من الأحيان، وجوها أقبح من تلك التي حاربها في بعض الأحيان. ليبقى الفساد مستشريا، بل ويتوسع في بعض الحالات، حتى على ايدي من كان يقدم نفسه معارضا «نقيا». كما تبينه التجربة التونسية الأكثر تفاؤلا، التي اكدت أن التغيير السياسي على مستوى هرم السلطة، لن يكون سهلا ومتاحا في الحالة العربية العامة، التي ترفض فيها النخب السياسية مغادرة مواقعها – لبنان- بل وتستميت في الدفاع عنها بالسلاح .كما تؤكده الحالة العراقية يوميا، لنكون بذلك أمام أحد أهم تجليات أزمة التغيير السياسي في المنطقة.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. انضروا كيف يشتمون ابناء شعبهم الدي صبروا على فسادهم وحماقاتهم فكيف يتعاملون مع دول لا تتفق مع افكارهم التعصبية الشمولية في نضري النضام اصبح يفرخ للشعباوية والتعصبية ولو خرجت 40 مليون الى الشارع لاعطيت الاوامر لتصفيتهم تحت غطاءات متعددة ان هدا الشعب المسالم الابي جعل منه هدا النضام بسياسته السلبية العنترية يبحث عن منفد عبر طريق الاجرام والتزوير والحريك عبر قوارب الموت بدل ان يسخر طاقته قي البناء والعطاء وهل دول الخليج افضل من الجزاءر...... ايام البحبوحة...المال يخسر في مالا يفيد الجزاءر وينفع الجنيرات ولصوص في دول اخرى لابد للشعب الجزاءري ان يقول كلمته ويبحث عن نفسه ومصلحته والتفاهم مع جيرانه وبناء اقتصاده والشروعفي العمل ولا شيء الا العمل

الجزائر تايمز فيسبوك