بعد نصف قرن من الاستقلال زعماء يحكموننا دون أن نعرفهم

IMG_87461-1300x866

الرئيس هواري بومدين لم يعرف الجزائريون اسمه الحقيقي – محمد بوخروبة ـ إلا بعد أن توفي، بعد أن حكمهم أكثر من عقد كامل 1965- 78، اتخذ القرارات، صال وجال في دهاليز الحكم، وصل إلى رئاسة الحكومة والدولة وقيادة الجيش ووزارة الدفاع المهمة، وغيرها من المواقع الأولى، الكل كان ولا يزال يناديه باسمه العسكري المستعار لغاية اليوم، بمن فيهم زوجته وأخوانه الذين تربى بعيدا عنهم، وضع قد يكون قابلاً للتفسير، بل ومبرراً إذا عرفنا حالة الحرب التي عاش فيها الرجل، بالسرية التي تفترضها.

ما هو غير مبرر ولا مقبول أن يستمر هذا الوضع مع مسؤولينا الكبار، من رؤساء ووزراء وحكام من كل صنف لغاية الآن، بعد نصف قرن من الاستقلال، يُعين المسؤول وحتى ينتخب، من دون أن نعرف عنه إلا بعض المعطيات العامة كالسن، وبعض ما تعلق من تعليم وشهادات ـ حتى هذه لم تعد مطلوبة بعد أن تحول الجميع إلى دكتور – وأجزاء من سيرة مهنية متقطعة، يمكن في بعض المحطات أن تستعمل لغير صالح الشخص المعني، إذا اقتضت الضرورة ذلك، لنبقى نجهل عنه الكثير، في ما يتعلق بآرائه وقناعاته، فلا نعرف له رأيا واضحا في أي قضية مهمة أو غير مهمة، لنتفاجأ بآرائه المتقلبة وغير الثابتة، بعد أن يصل إلى المنصب وحتى بعد أن يغادر.

وضع يزيد في غموض المشهد السياسي ولا يساعد المجتمع على التقدم إلى الأمام، بعد أن تحول فيها التعبير عن الرأي المكتوب إلى تهمة قائمة، تستعمل ضد صاحبها، في أي وقت، وضع تعيشه الجزائر منذ الاستقلال، بدرجات متفاوتة، تم فيها إنتاج «نخبة « لا يعرف عنها المواطن الحد الأدنى من المعطيات، التي تسمح له بتوقع مواقفها وآرائها وهي على رأس السلطة، ليفاجأ بأن الذي كان يقدم له كرجل ليبرالي من الطراز الأول، هو دولتي مُغلق، وأن اليساري المزعوم، هو يميني أقرب لليمين الشعبوي المتطرف في آرائه القليلة، التي يمكن استشفافه، مما عمل وقال، هو الذي كان ساكتاً على الدوام ومن دون رأي، فضل فيها أن يكون اشتراكيا، عندما كان النظام ينادي بالاشتراكية، ورأسماليا عندما مال النظام إلى هذا النمط من التسيير. رجال من «خصالهم» التي لم يحيدوا عنها، السكوت وعدم الإفصاح عن الرأي، وغلبة الشفهي على المكتوب، عندما يفرض عليهم الوضع البوح بمواقفهم، مما يجعلهم في منأى من أي مساءلة، مهما كانت، ومهما طال الزمن، يخترقون العصور ويتجاوزون كل مطابتها الفكرية والسياسية، وضع وصل إلى هذه الصورة الكاريكاتيرية التي يخبرنا بها تاريخ الجزائر القريب. الوحيدون الذين تمت فعلا محاسبتهم، هم الذين كتبوا وعبّروا عن آرائهم السياسية والفكرية، فقد نسي الجزائريون كل زعمائهم إلا عبد الحميد بن باديس وعباس الفرحات، لأن الرجلين – ضمن قائمة قصيرة من الشخصيات ـ كتبا وعبّرا عن مواقفهما، في وقتها، حول قضايا سياسية وفكرية مهمة وسجالية، يعود لها الكثير من الجزائريين. أكثر من نصف قرن، بعد الإعلان عنها، لمحاكمتهما والتنكيل بجثتيهما، في حين يتم السكوت عن أغلبية ما سمي بالنخبة، لأننا لم نعرف لها رأيا ولا موقفا مكتوبا يمكن العودة إليه، استطاعت أن تتعايش مع كل العصور التي قفزت فوقها بكل سهولة ويسر، من دون أن تتأثر صورتها لدى مواطن لا يقرأ في الغالب، يكتفي بترديد ما يسمعه، كابن وفيّ للثقافة الشفهية السائدة تاريخيا، في هذه الربوع.

عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية التي عاشتها هذه الوجوه السياسية، يمكن أن تكون عامل تفسير مهما، ونحن نتحدث عن جهلنا لها ولمواقفها المسكوت عنها في الغالب، تتحول في الغالب إلى مصدر قوة لصالحها، تعفيها من أي مساءلة أو حساب، فهذا الصنف الغالب من الشخصيات، هو في حقيقة أمره مشاريع فردية وليست منتجا لمشاريع مؤسسات جماعية، حتى إن وجدنا في بعض المحطات أدواراً للحزب السياسي، الذي عادة ما يكون من النمط الذي عرفته الجزائر، حزب بيروقراطي، يشبه ما عاشته التجربة الجزائرية، والكثير من التجارب العربية، لا حياة سياسية داخله، ولا نقاش سياسي وفكري، ولا تداول على السلطة، حزب أقرب للثكنة في تسييره، يصل فيه البيروقراطي والعسكري السابق إلى أعلى المواقع بيسر كبير، من دون أدنى حرج، بعد أن سيطرت ثقافة الانضباط داخل هذا الهيكل الجامد ومن دون روح. وهو الوضع نفسه بالنسبة للبرلمان الذي يمكن أن يقضي فيه الرجل من هذا النوع، عقدين وأكثر، من دون أن يطلب مرة واحدة كلمة للأدلاء برأيه، مهما كان الموضوع المطروح للنقاش، يفضل بحكم هذه الثقافة السياسية التي تعود عليها، التعبير عن رأيه في بهو البرلمان وهو واقف مع أصدقائه الذين يثق بهم، من أبناء جهته في الغالب، هو الوضع نفسه الذي تكرر أكثر من مرة في اجتماعات مجلس الحكومة والوزراء، لم يسمع فيها صوت الوزير، كما أكدته الكثير من الشهادات الشفهية المتداولة، بين أعضاء النخبة الوزارية! ليس غريبا والوضع على ما هو عليه من قيم للتنشئة السياسية ومؤسساتها الغائبة، أن تنتصر الشعبوية كفكرة وعلاقة سياسية بين الحاكم والمحكوم، بعد القضاء على دور المؤسسات والنقاش السياسي، بفكرة الإقناع التي تقتضيها وتتطلبها، وتظهر فكرة الرجل الملهم والزعيم، الذي دأبت أنظمتنا السياسية على إنتاجه في السنوات الأخيرة، حتى إن كان عاجزا عن الحديث بلغة بسيطة مع مواطنيه، كما هو حال أغلبية مسؤولينا، ولا تتوفر لديه بالتالي صفات الزعامة، التي لم يتدرب على ما تفرضه من جدل سياسي وحوار، بما يفرزه من تطوير للأفكار والحجج. شعبوية تساعد على تطويرها ومنحها أبعاداً صناعية، غياب مؤسسات الحوار الاجتماعي كالبرلمان والإعلام التعددي المفتوح على قضايا المجتمع والمواطن، الذي لم يسمح لهذه الوجوه بتطوير أفكارها ولغتها، والحصول على صدى وطني، لتكون بذلك أول ضحايا هذا الغلق السياسي والإعلامي الذي أرادته في الأصل لإبعاد منافسيها، جعلها تنكمش على المحلي وتستكين له، كقدر جعلها معروفة فقط في وسطها العائلي والجهوي المباشر، لكنها غير معروفة وطنيا، فأقصى ما يمكن أن تنتجه هذه الحالة هو وجوه محلية وجهوية، لا تساعد على تمتين البناء الوطني الذي يبقى هشا على المستوى السياسي والعاطفي في علاقة الحاكم ـ الفرد بالمحكوم – الجموع، تسود فيه الشعبوية كطريقة تسيير سياسي، لا دور فيها للمؤسسات الاجتماعية، يبقى فيها السيد الأوحد الفرد والجموع الغفيرة، التي يمكن أن تنقلب وتغير رأيها بسهولة، كما علمتنا التجربة السياسية الجزائرية ذلك، بكل ما يمكن أن تنتجه غوغائية من وعنف.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك