مالي تنهي أوهام فرنسا

IMG_87461-1300x866

لم يكن الوجود العسكري الفرنسي في مالي، منذ يومه الأول في 2013، سلسا. لسبب هام هو أن الخمسة آلاف جندي فرنسي ذهبوا في مهمة مستحيلة ولخوض معركة لا مجال لكسبها. لكن هناك سببا آخر، لا يقل أهمية مهما بدا سطحيا، هو أن هذا الانتشار العسكري كان فوقيًا ولم يخلُ من ذهنية استعمارية وماضٍ سلبي مترسب لدى الطرفين.

مالي ليست أفغانستان. لم تشكل أيّ خطر على أيّ أحد. لم تكن منطلقا لإرهاب عالمي. حكومتها ليست مفروضة من الخارج على الطريقة الأفغانية. إسلامها وسطي مسالم. هذه المعطيات قادت كثيرا من سكان مالي إلى اعتبار نشر فرنسا جنودها في بلادهم، عودة للاستعمار بشكل من الأشكال، حتى لو اختلف السياق وادعت فرنسا أنها تملك مبرر العودة. واستثمرت دعاية الجماعات الإرهابية كثيرا في هذا العامل النفسي إلى أن بات مرادفا للمهمة الفرنسية في مالي.

خطأ فرنسا، منذ البداية، أنها بنت عمليتها في مالي مع نخبة محلية فرنكوفيلية فاشلة ومفصولة عن المجتمع. والحال اليوم هو النتيجة الطبيعية لهذا التقدير الخاطئ.

لم يقاوم الماليون الجنود الفرنسيين بالسلاح والقوة، لكنهم، في المقابل، لم يستقبلوهم بالأحضان الدافئة، ولم يتعاونوا معهم باندفاع وحماس. مرة أخرى، لأنهم رأوا فيهم عودة وجوه من الماضي الاستعماري الذي كان قاسيا ومؤلما وعنصريا ودمويا، وعبارة عن نهب منظم لخيرات شعب هو في الأصل فقير ومنهك (لا يقتصر هذا الحال على مالي وحدها، بل تكرر في الكثير من الدول الإفريقية).

لقد كانت فرنسا تحت قيادة فرانسوا هولاند في 2013 واهمة عندما اعتقدت أن سكان مالي سيستقبلون جنودها بالورود والزغاريد. وكانت واهمة أكثر عندما اعتقدت أنها ستنجز المهمة في شهور ويعود الجنود الفرنسيون إلى أرض الوطن محمولين فوق الرؤوس.

مرت ثماني سنوات ولم تحقق فرنسا شيئا على الأرض. ليس هناك فقط العجز عن تحقيق انتصار عسكري أو تقدم ميداني، وإنما هناك علاقة فرنسا مع الأهالي التي ما انفكت تسوء. يشتكي اليوم القادة الميدانيون للقوات الفرنسية في مالي من أنهم فقدوا حتى ثقة العملاء والمخبرين من الأهالي، فأصبحوا يتفادونهم وفي بعض الأحيان يضللونهم، دون أن يكون هؤلاء الأهالي بالضرورة متواطئين مع الجماعات الإرهابية أو داعمين لها. اليوم، يمكن بسهولة الجزم بأن الارتباك الفرنسي في مالي بلغ ذروته. وعلى الأرجح سيتضاعف هذا الارتباك في الفترة الزمنية المقبلة، وتحديدا كلما مضت السلطات الفرنسية في تنفيذ إعادة انتشارها العسكري، وكلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

خطأ فرنسا الآخر أن رئيسها، إيمانويل ماكرون، ظنَّ أنه سيَلْـــوي ذراع القيادة المالية الجديدة عندما هدد بسحب قوات بلاده. وتكرر الخطأ عندما قرر خوض العملية بشكل منفرد، كما ورد على لسان رئيس حكومة مالي تشوغيل كوكالا مايغا الذي قال إنه سمع بخطط إعادة الانتشار الفرنسي من وسائل الإعلام (مقابلة مع صحيفة «لوموند» الإثنين 18 أكتوبر الجاري).

فات ماكرون أن إفريقيا لم تعد ملعبا فرنسيا حصريا. فاته أيضا أن هناك متربصين، مثل الصين وروسيا وتركيا، يترقبون عثرات فرنسا في مالي وإفريقيا. وتعامل (ماكرون) مع سلطات مالي بفوقية ومن دون أن يتعلم من درس جمهورية إفريقيا الوسطى، عندما بسطت قوات «فاغنر» الروسية هيمنتها على الأجهزة الأمنية، بموافقة السلطات المحلية، وفرنسا تتفرج مشلولة.

بالنسبة للمزاج السياسي الفرنسي، مالي الآن معضلة والحلول تتراوح بين السيئ والأسوأ. البقاء فيها معضلة لأنه سيكون مرادفا للمزيد من الغرق في مستنقع بلا أفق نهاية. والخروج منها معضلة أخرى لأنه يعني خسارة سياسية واستراتيجية وفسح المجال لقوى أخرى غير منبوذة في مالي ولا تلاحقها لعنات الماضي. ضمن هذا الإطار يمكن وضع السرعة التي اتفقت بها سلطات مالي مع قوات «فاغنر» لملء الفراغ الذي سيترتب عن إعادة انتشار القوات الفرنسية. ستحل «فاغنر» في مالي مستفيدة من عوامل ذاتية وموضوعية، أهمها خلو علاقتها مع الأهالي من أسباب العداء، وأيضا استفادتها من دروس إفريقية أخرى أبرزها جمهورية إفريقيا الوسطى.

عادة، يشكل قرار الانسحاب من مستنقع عسكري واستراتيجي، أو إعادة الانتشار فيه، بشرى سارة لطرفي المعادلة. غير أن حالة مالي زادت الفرنسيين حيرة وارتباكا. باستثناء عار الفوضى التي رافقت الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ستكون الإدارة الأمريكية أكثر راحة وأقل قلقا على أفغانستان، من فرنسا على مالي. على الرغم من أن التعداد البشري واللوجستي الفرنسي أقل بكثير مما نشرت الولايات المتحدة في أفغانستان، ليس من الخطأ القول إن الفرنسيين يتألمون من إعادة انتشارهم في مالي مثلما تألم الأمريكيون من خروجهم من أفغانستان، وربما أكثر. القوات الأمريكية غزت أفغانستان في 2001 متحررة من أيّ ماضٍ تاريخي مؤلم. وخرجت منها في 2021 من دون عقدة هذا التاريخ. أما حال فرنسا مع مالي فمختلف تماما بسبب الماضي المشترك بالدرجة الأولى، ثم باختلاف الذهنية والرصيد التاريخي بين الفرنسيين والأمريكيين عندما يتعلق الأمر بالآخر.

فرنسا خسرت نفوذها في مالي مثلما خسرته في الكثير من الدول الإفريقية، ولن تستطيع استعادته. لم يبق ما يربطها بمستعمراتها السابقة إلا نخب سياسية وثقافية منقطعة عن واقعها ومحدودة الوجود والتأثير.

عزاء فرنسا أنها ومالي مثل زوجين اختفا العشق بينهما، يتخاصمان ويقاطع أحدهما الآخر، لكن لا أحد يجرؤ على تطليق الآخر.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ابو نووووووووووووووح

    إن وسائل الإعلام الفرنسية اتّهمت الجزائر بضلوعها في تمويل صفقة تجنيد مرتزقة “فاغنر”؛ وهو ما أورده موقع “ألجيري بارت” بحديثه عن التزام الجزائر بتمويل ما بين 50 في المائة إلى 70 في المائة من تكلفة صفقة جلب فاغنر إلى مالي، وتقديم الدعم لقوات “فاغنر” بمنطقة الساحل، نكاية في فرنسا والمغرب، إضافة إلى فتح قاعدة عسكرية روسية بمنطقة وهران على الحدود مع المغرب”. وفي الدراسات السياسية والأمنية إلى أن “المقابل يتمثل في اصطفاف روسيا الصريح إلى جانب النظام العسكري، وهو ما تمت ترجمته باستقبال وزير الخارجية الروسي لوفد من البوليساريو بموسكو، وما صاحب ذلك من تصريحات ومواقف تعارض مساعي المغرب والمنتظم الدولي لفك نزاع الصحراء في إطار مقترح الحكم الذاتي؛ ما أدى إلى بروز أزمة دبلوماسية بين الرباط وموسكو لا يمكن تمعن مستقبلها”. و أن “روسيا قبضت الثمن مقابل معاكسة المغرب، ومن المنتظر أن تعمل على التأثير على جلسة مجلس الأمن المرتقبة، بما يخدم مصالح الجزائر”، مشيرا إلى “ارتفاع صوت جوقة اللوبي الجزائري بالولايات المتحدة بشكل ملحوظ من أجل التأثير على مركز القرار الأمريكي، ودفاعا عن النظام العسكري الذي انخرط بشكل متهور في تصريف عدائه للمغرب”. اما مساعي الجزائر وموقفها الصريح الرافض لتقرير الأمين العام الأخير ورشوتها لروسيا كلها مؤشرات تجعلها تدخل المنطقة في أتون صراع مفتوح؛ وبالتالي، إدخال المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل في دوامة التهديدات والمخاطر التي من شأنها أن تخلق معضلة أمنية خطيرة يصعب فكها”، وفق تصريح البا أن “مساعي النظام العسكري لن تؤثر مهما كانت درجتها على الانتصارات التي حققها المغرب في مسار وحدته الترابية، ولن تؤثر على رغبة المنتظم الدولي في وضع حد لأزمة مفتعلة من شأنها جر المنطقة ككل إلى كارثة أمنية تهدد السلم والأمن الدوليين، وتفتح جبهة جديدة للصراع الروسي الأمريكي على حدود أوروبا الجنوبية

  2. سام

    من الغباء عدم الاعتراف بالعلاقة السياسية الوطيدة بين العسكر حكام الدزائر و روسيا منذ انقلاب بن بلة على الحكومة المدنية بقيادة فرحات عباس فروسيا كانت و ما تزال الداعمة لعسكر حكام الجزائر باطماع ايجاد موطا قدم بمنطقة الساحل و الصحراء وصولا الى المحيط الاطلسي عبر اقامة دولة وهمية بالصحراء المغربية و الجزائر العسكرية تعلم ان عدم تمكين روسيا بموطا قدم على الساحل الاطلسي سيدفع روسيا الى اللجوء الى موريتانيا للحصول على ذلك كما ان عسكر الجزائر يعلمون جد المعرفة ان اي انفلات امني او اصطدام عسكري او نشوب حرب بالصحراء المغربية لن يترك الجزائر خاج هذا الاصطدام العسكري لان المغرب سيجر الجزائر مباشرة وهو ما تسعى الجزائر لتجنبه لان ذلك يعني نهاية حكم العسكر في الجزائر و تمزيقها الى دويلات اصل الدولة الجزائرية بالحدود الموروثة عن الاستعمار

الجزائر تايمز فيسبوك