كيف يمكن قراءة حكومة تبون كمؤشر سياسي؟

IMG_87461-1300x866

يهتم الجزائري بشكل مبالغ فيه بتشكيلة الحكومات، رغم ادعائه العكس. ينتظر الإعلان عنها بشغف، ينشر المعلومة الكاذبة وغير الدقيقة حول أعضائها، كتعبير عن هذا الاهتمام المرضي بها، كمؤشر سياسي ما زال يحتفظ بأهمية خاصة في الظرف السياسي الحالي. يحاول أن يخمن كيف وصل فلان وفلانة إلى عضوية الحكومة.. يبحث عن أبناء بلده وجهته داخلها، والأهم من ذلك يحاول أن يقارن بين ما لديه من مؤهلات فعلية ومتخيلة، والوزراء الجدد.

للإجابة على هذا السؤال الذي يحير المدينة عند الإعلان عن كل حكومة جديدة، لماذا هو أو هي وليس أنا؟ من دون أن يتمكن من الوصول دائما إلى إجابة مقنعة داخل نظام سياسي مغلق، لم يبارح ثقافة السرية وهو يقرر، يعين أو يقيل، يعيش أزمة سياسية خانقة، تركت بصماتها على تشكيل هذه الحكومة الأولى للرئيس تبون، التي من المرجح أن تكون صاحبة عمر قصير مرتبط بأجندة انتخابية، ستعيشها الجزائر بعد شهور قليلة.

على الرغم من أن حكومة تبون الأولى هذه لا تختلف نوعيا لا في تشكيلتها، ولا في توازناتها الداخلية، عن الحكومات التي عرفتها الجزائر في عهد بوتفليقة وقبله من الرؤساء، حكومة ظهرت بحجم كبير مبالغ فيه – 39 وزيرا ـ يتم اللجوء إليه عادة عندما يكون النظام السياسي في حالة أزمة، يصعب فيه التوافق بين العصب التي تكثر تدخلاتها، في غياب مركز قرار قوي يفلتر الأسماء ويحد من التدخلات ويعقلنها عند الضرورة. حكومة تبون الأولى التي تشبه إلى حد كبير حكومات الأزمة التي عاشتها الجزائر، في بداية التسعينيات، كان من سماتها أنها أوصلت وجوها إلى عضوية الحكومة، ما زالت لحد الساعة، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود عن هذه التجربة، لا تملك تفسيرا مقنعا لوصولها إلى عضوية الحكومة، ولا كيفية الخروج منها. يتم فيها تبليغ المعني قبل الإعلان عنها بدقائق، وقد لا يخبر أصلا في بعض الأحيان انطلاقا من قناعة، أنه لا أحد عاقل، يرفض أن يكون وزيرا ولو لمدة أيام أو أسابيع، سيعيشها كمغامرة لن يمثل فيها إلا نفسه، لا يملك حزبا سياسيا يسنده ولا حضورا شعبيا يحميه، أو يسأله عند الضرورة. تجربة الانضمام إلى هذا النوع من الحكومات، التي لا تعمر عادة طويلا، كانت في أغلبية الحالات سلبية جدا كتجربة عاشها من انضم اليها. فقد بينت التجربة أن نائب الوزير أو كاتب الدولة، الذي يعين في مثل هذه الحكومات قد يغادر الحكومة، من دون أن يحصل على مقر ينطلق منه للعمل الفعلي، وإن كل وقته قد ضاع في صراعات مع الوزير الذي يدخل معه في حروب أهلية داخلية، حول الصلاحيات والسفريات إلى الخارج، وحتى التسيير اليومي والمقرات، عادة ما لا تنتهي إلا بمغادرته الحكومة وفض الاشتباكات المتولدة عنها.

حكومة أزمة، تعكس ما ساد هذه الأيام كاتجاه غالب على المستوى الدولي: سيطرة التكنوقراط والتركيز على الشخص ومؤهلاته الفعلية أو المتخيلة، التي يمكن ألا تترجم بالضرورة، على شكل تجربة مهنية، مهما كانت بسيطة، فالوزير في مثل هذه الحالات، قد يأتي في بعض الأحيان للوزارة ليتعلم، بعد مرور سريع على بلاتوهات التلفزيون وقاعات التدريس في الجامعات، كأستاذ مغمور، قد لا يتمكن من العودة مرة ثانية للحكومة، إلا في حالات نادرة، يستطيع فيها لاحقا الحصول على مصعد حزبي أو سياسي، لم يكن متوفرا له في هذه التجربة الأولى، التي يعرف أنه لا يمثل إلا نفسه خلالها، يمكن أن يغادر موقعه بالسهولة نفسها التي وصل بها، في الطقوس الغريبة نفسها التي عين فيها. هذه المعطيات، رغم دقتها لا تمنحنا صورة كاملة عن تشكيلة حكومة تبون الأولى، التي احتفظ داخلها بوزراء بوتفليقة كممثلين عن الاستمرارية السياسية، وليس القطيعة التي يمثلها بعض الوزراء الجدد، في مواقع سيادية كالداخلية والخارجية والمالية والعدالة. استمرارية تخبرنا أننا أمام بداية تشكل نوعا من بيروقراطية الدولة، على شكل طبقة حاكمة، تملك المال والنفوذ والجاه، توظف التأهيل والشهادة العلمية، زيادة على التحالفات التي تنتجها المصاهرات، بما تفترضه من علاقات تتجاوز الجهة في بعض الأحيان، لا تكشف عن نفسها إلا في مناسبات اجتماعية محددة، كالجنازة وعرس الأبناء والبنات، لدى أوساط استطاعت أن تعيد إنتاجها الجيلي، ما يجعلها حاضرة في كل المحطات السياسية، مهما بدت مضطربة ومنكسرة، تحت تسميات ووجوه مختلفة من أبنائها وبناتها. بعد أن بينت التجربة التاريخية لسنوات ما بعد الاستقلال، أن الأب يستطيع أن يورث منصبه الوزاري إلى ابنه أو ابنته، ولو بعد حين، وان العائلة نفسها يمكن أن تنتج أكثر من وزير ووزيرة، في العديد من المحطات السياسية، وان الزوج والزوجة، يمكنهما أن ينضما إلى حكومات ولو في أوقات مختلفة. تماما مثل الأخ والأخت وابن العم. وأن المصاهرات ما زالت تلعب دورا مهما في الوصول إلى الحكومات، تماما مثل الجهوية والانتماء إلى جغرافيا محددة، مهما بدت بعيدة ومبهمة، بالإضافة بالطبع إلى ما جد في العقدين الأخيرين، من تأثير مهم بما تمثله المصالح المالية والشركات العابرة لهذه التحالفات القديمة ـ الجديدة. حكومات لم تقم بالقطيعة المطلوبة مجتمعيا، وهي تجند عددا قليلا من النساء كوزيرات، اكتفين بمواقع ثانوية، تحت المراقبة الصارمة لذكور الحكومة، تعلق الأمر برئيس الوزراء أو الرئيس، أو حتى كاتب الدولة والوزير المنتدب، داخل نظام سياسي ما زال يتعامل مع المرأة كوزيرة متربصة حتى وهي تعين في هذا المنصب، الذي يبقى غير مهم في الحالة السياسية الجزائرية، التي يتم فيها التعامل مع الوزير كموظف كبير تتوقف صلاحياته عند باب مكتبه، لا يصنع سياسات، بل يكتفي بتنفيذها، كأي تكنوقراطي يحترم حدود صلاحياته.

حكومة سيتم التعامل معها سياسيا كحكومة «انتقالية» من دون مرحلة انتقال سياسي فعلي، تم رفضه رسميا، كان يمكن أن ينتج حكومة أكثر مصداقية، وأكثر تمثيلا وقبولا اجتماعيا. عكس الحكومة المعلن عنها التي لن يكون في مقدورها مواجهة التحديات المرفوعة، على أكثر من صعيد اقتصادي واجتماعي، في محطات سياسية أخرى، بما فيها الانتخابات التشريعية ودخول الأحزاب والقوى السياسية المنظمة إلى حلبة الصراع السياسي، تحت مراقبة الحراك الشعبي الذي يكون قد تعامل حتى الان، مع حكومة تبون الأولى، كمؤشر على استمرارية سياسية للنظام القديم، قبل كل شيء.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك