الجزائر لم تذهب الى المستنقع الليبي مباشرة فجاء إليها؟

IMG_87461-1300x866

متأخرة جدًا، بدأت الدبلوماسية الجزائرية تفكر في اللحاق بقوافل المتدخلين في الصراع السياسي والعسكري في ليبيا. لكن الجزائر تأخرت كثيرا بحيث أصبح صعبا عليها استدراك المسافة الفاصلة بينها وبين اللاعبين الآخرين.
في هذا السياق تدخل زيارة رئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، ووزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، للجزائر أمس. لكن ليس أكيدا أنها ستنقذ الكثير في الاتجاه الذي تبتغيه الجزائر.
هذا التأخر الكبير ترك الجزائر اليوم بلا خيارات. كما ستكون له عواقب سياسية وأمنية واقتصادية صعبة على الجزائر. من عجائب الصدف أن الدول الثلاث الأقرب إلى ليبيا، والأكثر تأثرا بما يجري فيها، هي الأقل تأثيرا في أحداثها: مصر وتونس والجزائر. صحيح أن مصر تحاول فرض وجودها، لكنها حاضرة في الشأن الليبي كوَكيل عن لاعبين آخرين، خصوصا دولة الإمارات، أكثر منها كطرف حريص على أمنه ومصالحه.
من نافلة القول إن سبب انكفاء الجزائر عن الشأن الليبي (وغيره) يعود إلى احتكار الرئيس المخلوع كل القرارات السياسية والدبلوماسية. نتيجة هذا الاحتكار، وفي غياب محيط رئاسي شجاع يقدّم مصالح الأمة على مصالحه من مناصب ومكاسب، أن البلد أصيب بالشلل والعزلة بمجرد أن أُصيب المخلوع بجلطة دماغية في النصف الأول من العقد الماضي. أما الثمن المطلوب فما يزال مبكرا جرده بشكل أكيد.
حتى بعد إزاحة المخلوع لم يُلحظ أي جهد في اتجاه استدراك ما فات، أولالأن وقتا كثيرا قد ضاع ومعه فرص عدّة، وثانيا لأن النظام الحاكم انشغل بتحصين وجوده بعد إزاحة المخلوع وحالة الغموض التي أعقبت ذلك.
هذا الوضع غير السويّ جعل الجزائر هي التي تعاتَب على مقاربتها تجاه ليبيا، بدل أن تكون هي التي تعاتِب. وبدل أن تكون هي التي تفرض الأجوبة، أصبحت موضوع تساؤلات عن قدرتها على التعاطي مع الوضع وعن استقرارها من عدمه بعد المخلوع.

خيارات الجزائر بشأن ليبيا انتهت كلها إلى طريق مسدود. اتضح أن خيار الوساطة، بدل التدخل، لم يكن موفقا، حتى وإن كان التدخل المباشر ليس حلاهو الآخر. واتضح أن الحياد، وهو في هذه الحالة مرادف للسلبية، ترتبت عنه (وستترتب) نتائج مقلقة. واتضح كذلك أن دبلوماسية الحفاظ على توازن مع كل الدول المتدخلة في ليبيا، خيار عقيم ومستحيل التحقق. في سعيها لإرضاء الجميع، خسرت الجزائر الجميع باستثناء تونس.
الدبلوماسية الجزائرية مطالَبة اليوم بجهد استثنائي. لم يعد مسموحا لها المضي في لعب دور المتفرج السلبي. ليبيا تحوّلت إلى مستنقع إذا لم تذهب إليه الجزائر فسيأتي إليها. الجزائر لم تعد تمتلك ترف الاختيار والمفاضلة. يكفي تأمل قائمة الدول المعنية بشكل أو بآخر بالأزمة الليبية للتأكد من صعوبة، وربما استحالة، نجاح الدبلوماسية الجزائرية في تغيير مسار الأحداث في ليبيا بما يخدم مصالحها، حتى لو تحركت اليوم: مصر، الإمارات، فرنسا، تونس، السعودية، تركيا، إيطاليا، قطر، الولايات المتحدة. تحتاج الجزائر إلى جهد خاص مع كل دولة من هذه الدول إذا كانت تريد تغيير شيء. هذا ناهيك عن دول أخرى، أقل تأثيرا، لكنها وجدت نفسها طرفا في اللعبة الليبية بحكم القرب الجغرافي، مثل السودان وتشاد والنيجر، وتجمعات إقليمية أوجدت لنفسها أدوارا ولو ثانوية، مثل الاتحادين الإفريقي والأوروبي.
تحتاج الخارجية الجزائرية إلى بذل جهد على صعيد قاموسها الدبلوماسي، وآخر على صعيد العمل الدبلوماسي. عليها التخلي عن «طوباوية» عدم التدخل في شؤون الآخرين، لأن ذلك لن يحميها، علاوة عن أن لا أحد سيستمع إليها. هذه «الطوباوية» كانت مطلوبة خلال الحرب الباردة، وصالحة في النزاعات التي لا تهدد أمنك واستقرارك.
تحتاج الجزائر أيضا إلى التفكير في جدوى تمسكها بعبارات من قبيل «رفض التدخل الأجنبي في شؤون ليبيا» لأنها أصبحت مكرورة ومضحكة عندما نتذكر أن التدخل الأجنبي حدث منذ سنوات، ويتوسع باستمرار ويزداد خطورة. لا بأس من إشهارها في الخطابات الموجهة للاستهلاك العام، لكن ليس من الحكمة التمسك بها قولا وعملًا، ومن الخطير التمسك بها في مقاربتك نحو بلد تربطك به حدود طولها ألف كيلومتر، وحرائقه تقترب كل يوم أكثر.
لقد أصبح مطلوبا تشكيل فريق طوارئ من دبلوماسيين وأمنيين وخبراء في الخارجية الجزائرية لمتابعة الملف الليبي واقتراح الحلول المطلوبة بخصوصه.
ولأن قائمة الدول التي تتدخل في ليبيا طويلة وتركيبتها معقّدة لا يمكن التوفيق بينها، تحتاج الدبلوماسية الجزائرية إلى تحديد «قائمتها» التي تتضمن دولا تستطيع العمل معها والتوصل إلى حلول قابلة للتنفيذ في الداخل الليبي، أو على الأقل تُبقي الوضع تحت السيطرة.
على رأس القائمة تونس، ثم مصر إذا استطاعت دبلوماسيتها أن تتحرر من التبعية للإمارات والسعودية. وبمساعدة روسية إذا كانت للجزائر فعلا حظوة لدى موسكو، كما يدّعي مسؤولوها، وما يربطها بها ليس مجرد علاقة تاجر سلاح بزبون جيّد.
الحياد مفيد فقط في إكساب صاحبه رصيدا معنويا وثقة الأطراف المتقاتلة والمجتمع الليبي. لكن هذا لا يكفي طالما أن هذه الأطراف ليست سيّدة قرارها وتتبع قوى خارجية لا يعني لها الحياد أي شيء. أما المجتمع الليبي فضحية وليس في مقدوره تغيير مصيره، الآن على الأقل.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. صالح الجزائري

    كل مجهودات عبدالقادر مساهل كانت ترمي إلى إفشال اتفاق الصخيرات ليس لسبب وجيه ولكن فقط لأنه وقع على أرض مغربية أما وقد أصبح الوضع على ما هو عليه فيتضح جليا بأنه خارج معاكسة كل ما يبت للمغرب بصلة لا يملك حكام الجزائر أية خطة بديلة.

  2. mohamed

    الجزائر اليوم أصبحت بين نارين نار في الشرق و هو الأخطر لأنه دولي وهذفه واحد هو تقسيم الدول ذات ثروات بترولية مهمة ونار في الغرب و الجنوب هذفه واحد هو مطالبة المغرب بأراضيه قبل مجيء الاستعمار الفرنسي و الاسباني و الانجليزي حيث لم تكن للجزائر وجود ، إذن أموال الشعب الجزائري بعدما كان موجها للبوليزاريو سيضيفون اليوم ميزانية اخرى لمواجهة الخطر الليبي وهو الأصعب لأن بترول الجزائر أصبح مهددا مما سيدفع بتدخلات أجنبية ــ من أراد الشر لجيرانه سلط الله عليه ليذيقه الشر أكثر

  3. ابو نوح

    النيران سوف تشتعل على اشدها وسوف تاتي على كل شيء . بحيث سوف تنتقل شرارتها الى الجزاءر وتونس ومصر الموجودة على فوهة بركان اصلا ، وذلك راجع لمغامرات عنتر مصر الحالي الذي اصبح غير مرغوب فيه في مصر وفي كل مكان . وحتى المغرب البعيد عن هذا الصراع سوف يتضرر كثيرا

  4. il est vrai qu'entre hausser Les epaules et hausser le ton il ya une sacree difference et si la question de la Libye s'est invitee Chez eux avec ses Gros sabots et sans crier gare ca Les a deboussole et puis apres la peur un coup de pub ils en ont besoin pour redorer leur blason et leur reputation qui avait pris un coup Dans l'aile

  5. une  publicite criarde ca nuie et en ces temps incertains ils ont surtout besoin d'anonymat

  6. adieu bechar et ta verdure et un certain general me comprendra et cette courte citation en dit long comme l'echarde qui tu sous estime te rend aveugle on peut continuer ainsi pendant Des heures et prolonger le calvaire de ce Maghreb et la question n'est pas la

الجزائر تايمز فيسبوك