العنصرية والجهوية تهدد الرياضة الجزائرية

IMG_87461-1300x866

تشهد الجزائر في الآونة الأخيرة ظاهرة خطيرة تمس بقيم وبمقومات الأمة الجزائرية وبأمن واستقرار الوطن. إنها ظاهرة التمييز العنصري والنزاعات العرقية والدينية والمذهبية والجهوية، التي ظهرت بوادرها بشكل لافت في مناطق متعددة من الوطن، أدت إلى وقوع ضحايا في الأرواح وإتلاف ممتلكات. وتقف عدة عوامل وراء تفشي هذه الظاهرة من أهمها صفحات الفاسبوك، ما يستدعي وضع استراتيجية وطنية لمواجهتها، قبل أن تنتج عنها تداعيات أخرى تؤدي في نهاية المطاف إلى المساس بالوحدة الترابية وبوجود الدولة من الأساس.

تطلعنا وسائل الإعلام الوطنية بين الفينة والأخرى بسقوط قتلى وحدوث إصابات وحرق ممتلكات نتيجة نشوب نزاعات بين عروش في جهات مختلفة من الوطن لأسباب شتى أهمها الخلافات حول ملكية أراضي، أو نشوب نزاعات بين مجموعات من الشباب، أو مشادات بين أنصار فريقين كرويين فتتطور إلى مواجهات دامية وهتافات بشعارات عنصرية.

إن ما يحدث اليوم في واقعنا الاجتماعي في الجزائر من نزاعات قبلية وممارسات عنصرية خرجت إلى العلن عبر صفحات الفايسبوك، هي مدعاة للتأسف الشديد لما آلت إليه، ودعوة للتفكير العميق في سبل تصحيح هذه المشكلات. رغم كل أهداف الرياضة النبيلة وهي من أهم مظاهر الحياة الإنسانية المعاصرة التي لا تؤمن بالجهوية والعنصرية والبغضاء بين الأمم والشعوب والأفراد، فإن هناك من ينتهك القيم النبيلة للرياضة بوسائل عديدة. ولعل العنصرية فيها من أقبح وأسوأ الانتهاكات التي ما تزال تطفو على السطح، رغم أنها أخذت تتضاءل بعدما فضحت وسائل الإعلام الحديثة هذه الممارسات المشينة.

من المحزن أن أكثر هذه المخالفات العنصرية تحصل في دول تدعي الحضارة والمدنية والديمقراطية والمساواة واحترام حقوق الإنسان. ولأن لعبة كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى في العالم التي تظهر فيها بقايا التعامل العنصري الذي يشمل التمييز بلون البشرة والدين والأصول، وقد تابعنا العديد من هذه الانتهاكات خلال السنوات الماضية حتى في أكثر من مونديال أو بطولات أوروبية متعددة، وتستدعي هذه الطبيعة المعقدة للعلاقة بين العنصرية وكرة القدم، الطابع الذرائعي للعنصرية وتوظيفاتها من جانب مشجعي الفرق الرياضية المختلفة.

وفي هذا المضمار، يوضح "رامون لويس جويج" في دراسته عن "العنصرية وكراهية الأجانب والتعصب في كرة القدم " (3) أن العنصرية الذرائعية Instrumental racism في كرة القدم تنطوي على نوع من السلوك يربط العنصرية بدرجة كفاءة لاعب كرة القدم وتواجده في الفرق المنافسة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يسخر المشجعون من اللاعبين ذوي البشرة السوداء في الفرق المنافسة، ولكنهم -في الوقت ذاته- قد يقبلون مثل هؤلاء اللاعبين إذا كانوا يلعبون في صفوف النادي الذي يشجعونه.

العنصرية هي انتهاك جسيم لحقوق الإنسان. إنه جريمة، ويجب أن يعامل على هذا النحو من قبل السلطات الرياضية. لا بد من العمل على نحو فوري أكثر حاسما إذا أردنا القضاء على الممارسات التي تشوب سمعة الرياضة الأكثر شعبية في العالم. نحن بحاجة لجعل كرة القدم متمشية مع التفكير الحالي بشأن حقوق الإنسان الدولية وتسليط الضوء على دورها كشريك جدير وقوي للغاية في الكفاح من أجل مكافحة العنصرية والتعصب." فالعنصرية الجهوية السائدة بين الجزائريين لا تخفى على أحد. فكل ينتصر لولايته ولمنطقته أو لعرشه، كما أن تفشي المحسوبية على أساس الجهة أو العرش الذي ينتمي إليه الفرد أمر شائع جدا، وتتخذ العنصرية على العموم أشكالا عديدة، فمنها العنصرية من أجل دافع ديني أو لغوي أو عرقي أو لمكان الولادة أو لمنطقة أو إقليم أو هوية، وكلها تصب في فعل واحد هو الكراهية غير المبررة، إذ لا تبرير لإنسان أن يكره إنسانا آخر لأنه مختلف عنه بشكل أو بآخر. وإذا أدركنا أبعاد العبارة التي يقولها التاريخ بإصرار أن "كل مجتمع عنصري مصيره الاندثار"، نفهم لماذا حاربت كثير من الدول بكل الوسائل القانونية والمادية هذه الظاهرة وخصوصا الدول الأوروبية التي وضعت ضوابط صارمة لكي تتحكم في أي انفلات يكون سببه التمييز العنصري أو الديني.

وقد أيقنت هذه الدول أن التمييز العرقي سبب في تفكك الوحدة الوطنية، ولنا فيما يحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا من صراعات عنصرية طائفية عبرة وعظة، مما يطرح سؤالا مهما عن دور الدولة الجزائرية في محاربة الجهات التي تحرض على التعصب والتطرف في بلادنا، وعن دور الأجهزة المختصة في توعية المجتمع بخطورة إثارة النعرات العصبية بكل أنواعها والقضاء عليها. إن هذه الممارسات التمييزية المتنامية في الفترة الأخيرة تعتبر، بشكل عام، ظاهرة غريبة على المجتمع الجزائري.

ولذلك فقد حرص المشرع الجزائري على تجريم جميع أشكال التمييز العنصري والتحريض عليه ومعاقبة أفعاله والترويج له. وتسهر الدولة الجزائرية على تعزيز احترام حقوق الإنسان التي يكفلها الدستور، حيث تكرس المادة 29 منه مبدأ المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وفي تمتعهم بالحماية أمام القانون. وتنص هذه المادة على أن "كل المواطنين سواسية أمام القانون. ولا يمكن التذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد، أو العرق، أو الجنس، أو الرأي، أو أي شرط أو ظرف آخر، شخصي أو اجتماعي". ويحظر الدستور أيضا التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الدين في تأسيس الأحزاب حسب المادة 42. ويؤسس كل من القانون المدني والقانون الجنائي وقانون الانتخابات ومختلف القوانين الخاصة  (الإعلام والتربية والصحة وما إلى ذلك ) لهذا المبدأ الأساسي في المساواة بين المواطنين. وقد تجاوب كثير من الأطراف في الجزائر بشكل إيجابي مع القانون واعتبروه إضافة نوعية للمنظومة القانونية الوطنية، لأنه جاء ليتأقلم مع تطور الجريمة في المجتمع.

كما يعد أول قانون عقوبات في تاريخ الجزائر يقوم بتجريم العنصرية والإقصاء بسبب العرق أو الانتماء. وهناك مطالب كثيرة تدعو إلى التنفيذ الصارم لهذا القانون، بل إلى رفع سقف العقوبات إلى مستوى الحبس المؤبد لوضع حد لهذه الجرائم التي تفتك بالنسيج الاجتماعي. في البداية عندما نريد أن نجد حلا لأي مشكلة يجب أن نعترف بوجودها لكي نستطيع أن نجد وسيلة لحلها. أما إذا كان هناك تجاهل للمشكلة أو تهوينها، فإن ذلك سيؤدي إلى تفاقمها وتوسعها إلى أن تصبح مستعصية.

ونعتقد أن بداية الحل يكون من وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، عملا بالمثل القائل "الدواء من نفس الداء"، حيث أن طرح مبادرات وفتح نقاشات عن أسباب تأجج العصبيات وتوعية المجتمع بأخطارها على المدى البعيد وتهذيب الشباب الفايسبوكي وتوجيهه الوجهة الصحيحة، كفيلان بالحد من هذه الآفة. كما يتعين على الفايسبوكيين التبليغ عن الصفحات المسيئة والمثيرة للفتن لحذفها من الشبكة. ويأتي حل آخر في المقام الثاني، هو تفعيل العقوبات الرادعة من طرف الأجهزة الأمنية المتخصصة، وتطبيق القوانين السارية بحزم على كل المتعصبين والمحرضين بدون استثناء، وإغلاق صفحاتهم ومنتدياتهم، ومتابعتهم قضائيا.

ويبرز ثالثا دور المسجد ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني للحد من تنامي العصبيات الجاهلية والعنصريات في المجتمع. لكن من المؤسف أن نشير إلى المواقف السلبية لبعض وسائل الإعلام الوطنية التي تجردت عن أخلاقيات العمل الصحفي وتخلت عن الضوابط المهنية، لتسكب الزيت على النار في أوقات الأزمات كما حدث في أزمة غرداية تحديدا. وهنا تبرز ضرورة محاسبة ومتابعة تلك الصحف والقنوات الفضائية المخالفة للتشريعات والمثيرة للعنصريات بعقوبات رادعة.

كما يجب أن تعزز المدرسة الجزائرية القيم الإيجابية في نفوس التلاميذ ومنها نبذ الفرقة والتمايز العنصري من خلال مناهجها بشكل عام، وفي بعض التخصصات كمناهج التربية الإسلامية، والتربية المدنية، واللغة العربية وحتى اللغات الأجنبية. ويتوجب الحرص أيضا على ضمان تكوين مناسب للمدرسين حتى يتحلون بالمثل العليا ويحسنون تعزيز القيم الوطنية في عقول الناشئة. ويتحمل بعض المثقفين والمشايخ موضوع تأجيج العصبيات في المجتمع الجزائري من خلال تقديم القدوة السلبية، باعتبار أنهم مطالبون بنشر قيم الفضيلة والعدالة وتعزيز منظومة الأخلاق الكريمة في المجتمع، لكنهم عكس ذلك يصدرون فتاوى تكفيرية جاهلية تستدعي وجوبا إحالة أصحابها للتحقيق ومتابعتهم قضائيا لوضع حد لمظاهر العنصرية التي باتت تهدد المجتمع الجزائري.

وهذا ما يفسر قرار وزارة الشؤون الدينية باستحداث مرصد وطني لمكافحة التطرف المذهبي في الجزائر يتولى مهمة تحليل الظواهر الخاصة بالتطرف الديني وتقديم الحلول والاقتراحات المناسبة. كما تسعى ذات الوزارة إلى إعداد نص مشروع قانون توجيهي يهدف إلى تحصين الحياة الدينية في الجزائر من خلال فتح نقاش وطني تشارك فيه مختلف الأطراف.. ويظل الاحترام المتبادل والتسامح، وإدراج هذه القيم في منظومتنا الرياضية الوطنية من الحلول العاجلة لمحاربة هذه الظاهرة. وتظل التربية البدنية الوسيلة الأنجع في منع العنصرية واجتثاث التمييز، وعلينا أن نبدأ باكرا في تعليم قيم الاحترام والتسامح والتضامن الرياضي ".

ووجه "بان كيمون" الأمين العام للأمم المتحدة بدوره رسالة إلى العالم، بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري الذي تم إقراره لأول مرة السنة الماضية 2014، دعا فيها جميع الناس لا سيما منهم الزعماء السياسيين والمدنيين والدينين، إلى أن يدينوا بشدة الأفكار القائمة على العنصرية أو الكراهية العنصرية. وطالب الجميع بعقد العزم على التصدي لها بالحوار النابع مما ثبت لدى الأفراد من قدرة على احترام التنوع الانساني الغني كأسرة بشرية واحدة.

ختامًا، ربما تكون المجتمعات اتخذت الكثير من الإجراءات لمواجهة ظاهرة الكراهية في كرة القدم، بيد أن التطور في وسائل التواصل يفرض تحديات عديدة أمام هذه الإجراءات، فضلًا عن التداخل بين الرياضة وقضايا السياسة ومحاولة توظيف الرياضة لخدمة أهداف سياسية. هذه التعقيدات المحيطة بالرياضة تحتاج إلى استراتيجيات كلية لنزع الشرعية عن خطاب الكراهية في كرة القدم، ويمكن لهذه الاستراتيجيات استدعاء آليات متنوعة بما في ذلك النماذج الإيجابية للاعبي كرة القدم.

نعمان عبد الغني للجزائر تايمز

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك