خرجات عمي تبون الإعلامية الغير موفقة تنعكس سلبا على نوعية العلاقة بين المواطن والحاكم

IMG_87461-1300x866

أعادت الخرجة الإعلامية الأولى للرئيس الجزائري الجديد، بالمستوى الضعيف الذي سوقت به للجمهور، على مستوى الشكل والمضمون. طرح مسألة قدرة النخب السياسية الرسمية على التواصل مع شعبها، داخل نظام سياسي عاش على الدوام أزمة في مخاطبة المواطن، لم يتمكن من إنتاج سياسي قادر على التواصل بسلاسة، كما يحدث عند الكثير من الشعوب، ما انعكس سلبا على نوعية العلاقة بين المواطن والسلطة الحاكمة، التي لم تنجح في الترويج لمشاريعها، حتى عندما تكون لصالح هذا المواطن، الذي فشلت في تجنيده.
عجز كبير في التواصل ميّز تاريخيا النظام السياسي الجزائري ونخبه، لابد من البحث له عن أسباب لا ترتبط بالآني، كما حصل هذه المرة مع خرجة تبون الأولى، كعدم استقرار مصالح الرئاسة، أو قلة حيلة الفريق الإعلامي المكلف بالترويج السياسي للرجل.
أسباب عميقة لابد من العودة لمناقشتها منها، عملية التنشئة السياسية التي ميزت النخب السياسية الجزائرية تاريخيا. نخب لم ينتجها الحزب والنقابة والجامعة والحركة الطلابية، التي كان يمكن أن يتعود فيها مشروع السياسي على الحوار والتواصل والمحاججة. يكفي أن نعرف أن الرئيس الجزائري كان في الغالب من خلفية عسكرية، مثلما كان الحال مع بومدين والشاذلي بن جديد واليامين زروال، حكموا فيها الجزائر لمدة تزيد عن ثلاثين سنة من عمر الاستقلال القصير، تنشئتهم السياسية تمت داخل الثكنة العسكرية، وليس البرلمان أو الحزب، الذي نُصبوا في مواقع عليا على رأسه، بدون أن يمارسوا العمل السياسي ضمن صفوفه، كجزء من مسار بيروقراطي يفترض أن يكون الوزير عضوا في اللجنة المركزية للحزب الواحد. ما تبقى من رؤساء لم يكن أحسن حالا عندما يتعلق الأمر بمسألة التواصل والحوار هذه، فهم أبناء الحزب الواحد أو بيروقراطية الدولة، كما هو الرئيس الحالي، الذي يملك مسارا بيروقراطيا صرفا، كوال ووزير على رأس قطاعات تقنية، لم يترشح لأي منصب سياسي طول مساره المهني، بعد التخرج من المدرسة الوطنية للإدارة، في منتصف ستينيات القرن الماضي.
المؤسسة العلمية المكلفة بإنتاج بيروقراطية الجزائر المستقلة، تعلم فيها أن يعطي أوامر فيُسمع له، ككل بيروقراطي محترم مكلف بإرسال الناس إلى الجنة، رغم أنوفهم، تعلق الأمر بمنصب الوالي أو الوزير، رغم أن التنشئة السياسية ومؤسساتها ليست العائق الوحيد، الذي حال دون أن يتعلم داخلها السياسي الجزائري فنون التواصل.
مسألة اللغة بكل أبعادها الثقافية التاريخية، كانت عائقا آخر أمام هذه النخبة وهي تتعامل مع المواطن، فقد دشنت الجزائر استقلالها برئيس (احمد بن بلة) ضعيف التحكم في اللغة العربية بشكل كبير، زيادة على تواضع مستواه التعليمي، مما جعله يفضل الفرنسية كلغة تعامل سياسي يومي، عكس بومدين الأزهري الذي طور لغة عربية متوسطة عند التعامل السياسي، لاقت الكثير من القبول الشعبي، رغم انه كان يتحدث أكثر مما يسمع، كأي عسكري منضبط، ليكون الوضع أكثر صعوبة مع الرئيس الشاذلي، الذي تم تعقيده من التعامل بلهجته العنابية السلسة والجميلة، ليقرر في الأخير التعامل بالعربية الفصحى، التي يجهلها تماما كقواعد، مهما كانت بسيطة، تحول بموجبها إلى مادة للتنكيت. وهو وضع الرئيس زروال الذي كانت له صعوبات واضحة في التعامل مع اللغة الفصحى، التي استمر بوتفليقة في التعامل بها، وهو يزاوج فيها بالفرنسية التي عادت بقوة أثناء فترة حكمه، زيادة على عربية فصحى بنكهة مغربية، يغلب عليها التصنع والمغالاة في الشكلية، كما يكون عادة الحال مع أصحاب التعليم العصامي البسيط.

أمام هذه المعوقات اللغوية في التواصل اليومي مع المواطنين، لجأ النظام السياسي إلى حل غاية في الغرابة، تكليف الحزب وبيروقراطيه والكثير من المثقفين المتزلفين، لعقود، في شرح خطاب الأخ الرئيس للمواطنين، وإعادة بثه مرة واثنين، على شاشة التلفزيون الرسمي، كما انطلق العمل به هذا الأسبوع مع الرئيس الجديد، المتمكن من لغة عربية متوسطة مقبولة وواضحة، ككل أبناء الجنوب الغربي، علما بأن صعوبات التواصل التي يعيشها السياسي الجزائري مع محيطه الاجتماعي، عكس زميله التونسي والمغربي وحتى المصري، ابن الازهر، الذي فضل تاريخيا التعامل بدارجة شعبية بسيطة، قربته من شعبه، في حين تعقدت حالة السياسي الجزائري، وأضاف إلى نفسه عائق اللغة التي لا يمكن اختصار أزمته فيها وداخلها فقط، رغم أهميتها كحاجز أخذ أبعادا نفسية كذلك. فالمسألة في الأساس هي مسألة العلاقة مع المواطن، بالذات الذي ينظر إليه السياسي الجزائري في الغالب الأعم كمتلق سلبي لخطاب سياسي عليه بتقبله واستهلاكه، بدون مناقشة أو حوار، تعلق الامر بالرئيس العسكري أو زميله البيروقراطي، الذي تعود على اتخاذ القرار وصناعته، بعيدا عن عيون المواطنين. مواطن أبهر العالم بقدراته الكبيرة على التواصل والتعامل بلغة حية وجذابة، وهو يسير في مسيرات كل يوم جمعة وثلاثاء وأحد، بمناسبة الحراك الشعبي الذي سيحتفل بعد أسابيع قليلة بسنته الأولى.
حراك شعبي بيّن القدرات الكبيرة للمواطنين الجزائريين في التعامل بلغة تنبض بالحياة، تغلب عليها الدارجة مع مزيح ذكي بين كل اللغات المستعملة في الجزائر، التي نجح في تطويعها. لغة تحترم الخصوصيات المحلية، بما فيها اللكنة الجهوية، التي لم يعد المواطن يتحرج من التعبير بها، داخل منطقته وخارجها. عكس السياسي الذي رفض له النظام السياسي التعبير عن كل خصوصية محلية، مهما كانت بسيطة، حتى إن تعلق الأمر بلكنة جهوية كان يمكن أن تقربه من الناس وتُؤنسنه. قد تكون أجمل وأكثر قدرة على التواصل والتعبير من هذه اللغة الرسمية الباردة، التي أُكره عليها السياسي وهو يتعامل مع شعبه. مسألة اللغة والتواصل السياسي بين النخب والمواطنين، لن تحل في الحالة الجزائرية بشكل جذري، إلا إذا تم التنويع في عملية إنتاج النخبة السياسية ذاتها، لكيلا تقتصر على رافد واحد أو اثنين كما هو الحال، داخل نظام سياسي مغلق، لتشارك فيها الحركة الطلابية والجمعوية والجامعة والنقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع، التي ستعرف كيف ستفرز نخبها التي ستحدثها بلغاتها داخل نظام سياسي يسمع للمواطن، ولا يكتفي بالحديث له بلغة لا يجيدها المتحدث بها ولا يفهمها متلقيها.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. يوسف

    والله من خطاباته اقول بكل الصدق اعتبر تبون من اسؤ حكام الجزائر

الجزائر تايمز فيسبوك