أفضل الأسلحة ضد الكوفيد-19 في الجزائر زيادة عدد الفحوص زايد… التغيير

IMG_87461-1300x866

نحن من الذين عملوا، وهم كثر، من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والحفاظ على الدولة الوطنية وتغليب الحل الدستوري للأزمة لقطع الطريق بصفة نهائية، في الجزائر، لإغراء اللجوء إلى الانقلابات وغيرها من حالات الخروج على القانون كلما تفجرت أزمة سياسية.

هذا يجعلنا أحق بسلوك أسلوب الصرامة مع قادتنا الحاليين ووعودهم للحراك الشعبي. نقول “أحق” لأن الآخرين الذين كانوا يرون حلولا مغايرة للأزمة السياسية والديمقراطية في بلادنا، يتمتعون بنفس القدر من الشرعية. والمستقبل كفيل بإظهار من كان على خطأ ومن كان على صواب آنذاك، علما أن في مثل هذه الحالات لكل واحد جزء من الحقيقة وكل حقيقة نسبية وترتبط باللحظة التاريخية. في المستقبل كذلك وفي ظروف أخرى، قد يكتسب بعض العناصر من تحليل الوضع أهمية أكبر من السابق، خاصة ما يتعلق ببعض المخاوف التي تم التعبير عنها آنذاك، ومنها الخوف من توالد النظام.

ما هو أكيد هو أن لا أحد كان يعلم بأننا سنواجه جائحة خطيرة إلى هذه الدرجة على مستقبل بلادنا وحتى مستقبل البشرية جمعاء؛ فما الذي كان سيحدث لو واجهناها في فراغ دستوري ومن دون دولة على الأرجح؟ أمر مرعب ولو بأثر رجعي.

ما هو أكيد كذلك هو أن الجميع، أنصار إجراء الانتخابات الرئاسية أم لا، التقوا ضمن إجماع على منح الأولوية المطلقة لمكافحة الوباء. هذا يدل على أن لا أحد وطني أكثر من الآخر. وهو يعني أيضا أن الجميع يستشعر بأن هذه الأزمة الصحية، هنا كما في بلدان أخرى، ترهن مستقبل الأمة، ذلك أن تسيير الوباء والحلول التي ستقدم لمواجهته لن تحدد مصير تسوية مشاكل قطاع الصحة فحسب، بل ستحدد أيضا، على الأرجح، طريقة تسوية المشاكل السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في البلاد لمدة طويلة.

تطور الوباء وضرورة تكثيف التقصي

لقد شهد وضع الوباء ووسائل مواجهته تطورا في بلادنا كما في غيرها من البلدان، الشيء الذي يتطلب تكييف الإجابات.

في البداية، كان الحجر لا مفر منه ودفعت البلدان التي رفضته آنذاك، مثل الولايات المتحدة، المملكة المتحدة أو البرازيل، ثمنا باهظا وهي تعيش الآن كارثة صحية جراء ذلك. أما السلطات الجزائرية فكان رد فعلها آنذاك سليما.

مع مرور الوقت، بات ينظر إلى اللجوء إلى الحجر على أنه رد أولي أو نوع من الحل البدائي الذي لم يعد كاف. إنه يظل ضروريا شريطة توجيهه وتقليص مجاله وأجله؛ فبالنظر إلى كلفته الاقتصادية والاجتماعية، لا توجد بلاد تستطيع تحمل ثمن الحجر الشامل من جديد، بالإضافة إلى أن هناك الآن ثقافة وقائية تنتشر أكثر فأكثر ويزداد تقبلها يوما بعد يوم: الكمامات، التباعد الجسدي، الخ. لكن ثمة، قبل هذا وذاك، ضرورة التعايش مع الفيروس في انتظار اللقاح والعلاج، وهو ما يضفي على سياسة تكثيف تقصي المرض، بما فيها تحديد مناطق الحجر بدقة أكبر، أهمية بالغة.

تكمن الصعوبة هنا في الانتقال من الحجر إلى التقصي. فالحجر منهج اللافعل، إن صح القول، بينما التقصي منهج الفعل والحركة. إن التقصي يتطلب إنتاج الفحوص بكثافة وتنظيم فرق صحية للبحث عن بؤر الوباء و تتبع مخالطي الحالات المؤكدة وكسر سلسلة العدوى. فهو إذن لا يتطلب تجنيد عاملي مصالح الصحة فحسب، بل أيضا عاملي المصالح الأخرى كالحماية المدنية، مصالح الحماية الاجتماعية، منظمات المجتمع المدني، طلبة الطب، وسائل التقصي الالكتروني، الخ.

لقد أصبح التساؤل مطروحا اليوم حول ما إذا لم يعد التقصي المكثف للإصابات عند ساكنة معينة هو الحل في منطقة أو حتى في بلاد بأكملها يكون الوباء قد انتشر فيها على نطاق واسع. حقا، مثلما يجب تعميم لباس الكمامة، كون 50  %من حاملي الفيروس هم بلا أعراض ولا يعرف إذن من هو المصاب بينهم ومن هو غير المصاب، لماذا لا يعمم التقصي لنفس السبب ؟ المشكل الأساسي هو بالطبع مشكل وسائل ومشكل سرعة القيام بالفحوص. في انتظار حلهما، يجري التركيز على تتبع مخالطي المصابين وعلى بؤر العدوى. ويؤمل أن تشهد الأمور تقدما باتجاه تقص أوسع فأوسع كلما تطورت الوسائل. الحجر يستطيع كبح الوباء لكنه لا يضع حدا له؛ فالشخص المصاب دون إبداء أعراض المرض يعدي من معه في الحجر. أما رفع الحجر فهو، بطبيعة الحال، بمثابة عملية تنفيس وما تجره من تراخ لا يمكن تفاديه ولا يستطيع خطاب الحس المدني وحده أن ينهيه.

إن الحجة القائلة بأن لا جدوى من التقصي الشامل لأن الشخص الذي يخضع للفحص قد يتعرض للإصابة بعد ذلك، هي حجة واهية. فالاقتصار على الفحص الفردي يتطلب التسخير لمدة خمسة أيام كاملة لفرقة تقصي مهمتها رصد مخالطي كل شخص تبدو عليه أعراض المرض: إنه شيء مستحيل التحقيق على نطاق واسع. إن محاسن التقصي الشامل أكبر إذن بكثير من مساوئه. ثم إنه يتمتع بمزية الأخذ في الاعتبار خاصية رئيسية من خصائص الكفاح ضد الجائحة بدأت تظهر للمراقب اليقظ: خاصية موقف الشباب. إن الكوفيد – 19 مرض يمارس التفرقة البيولوجية على أساس السن. فهو يهدد حياة كبار السن ولا يهدد حياة الشباب إلا بنسبة ضعيفة جدا. وهؤلاء الشباب يتحملون بصعوبة متزايدة القيود المفروضة على حيويتهم الشبابية، الأمر الذي يفسر ظاهرة التفجر المفاجئ لحاجتهم إلى التجمع والمعاشرة في كل ربوع العالم تقريبا . لا جدوى إذن من تذنيب الشبان الجزائريين تخصيصا، وهم الذين برهنوا، في ظروف أخرى، على قدرتهم على التحرك بوعي كلما اقتنعوا بذلك.

التغيير

التقصي الشامل يتطلب من تلقاء نفسه التغيير السياسي والاقتصادي. فإذا كان بمقدور نظام بيروقراطي، عايشناه مدة تقارب 60 عاما، تسيير الحجر وحتى الحصول على نتائج طيبة في هذا المضمار، من الصعب عليه الارتقاء إلى مستوى المتطلبات الحديثة لتنظيم تقصي تفشي الوباء. بالنسبة للحجر، تكفي قرارات إدارية حول المراقبة والعقوبات في حق المخالفين، زيادة على حملة إعلامية. لكن الطرق البيروقراطية لا تكفي للانتقال إلى عمل كالتقصي على نطاق واسع، الذي يتطلب وسائل حديثة، تحرير المبادرات، تعبئة المجتمع المدني، تضافر جهود القطاع الخاص والقطاع العام، فضلا عن الإنتاج الصناعي للفحوص.

خلال الأسابيع الماضية، التي برزت فيها الحاجة إلى الانتقال إلى طرق أخرى في تسيير الوباء، تكون نشطة وحديثة أكثر، شهدنا انكشاف حدود النظام الموروث. بل حدث أيضا أن التفوق الذي بدا متحصلا عليه على حساب بلدان متقدمة أكثر، في بداية الجائحة، –  ربما بفضل جو الوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي الذي خلقه الحراك الشعبي -، وكأنه يتلاشى ويترك مكانه لوضع يتدهور شيئا فشيئا. كان منحنى الوباء عندنا قد تسطح عند 100 – 200 حالة يومية، وهو شيء خطير من حيث طول مدة التسطح، لكنه قابل للاحتواء بواسطة سياسة نشطة للتقصي وتحديد بؤر الوباء القليلة آنذاك. لكن الاحتواء لم يقع.

لا يكفي، في وضع كهذا، إبداء السخط تجاه البيروقراطية القائمة على مستوى الولايات والدوائر ومديريات الصحة والمستشفيات، الخ. فهذا يساوي مطالبة البيروقراطية بمحاربة البيروقراطية، أي المطالبة برابع المستحيلات.

البيروقراطي يستبطن التقسيمات الإدارية: الولايات، الدوائر، البلديات، الخ.، ويجعل منها وحدات للحجر الصحي، وينسى أنها مجردات لا يعبأ بها الفيروس. البيروقراطي يعوض النشاط بتعليمات مفترضا أنها ستغير الواقع من تلقاء نفسها. ثم يعتقد أنه قام بعمله عن طريق إسداء التعليمات وفرض العقوبات في حال عدم تطبيقها، ثم إسداء تعليمات جديدة لتنفيذ العقوبات. ولن يرى عندئذ من تفسير لإخفاقاته سوى انعدام الوعي لدى الناس.

النظام الموروث كله بيروقراطي وينتج، لنقول بصورة طبيعية، البيروقراطية؛ فيتوجب تغيير النظام كله، بحزم ودون النظر إلى الخلف.

من الخطأ التفكير في تأجيل التغيير بسبب الوباء. إن التأجيل غلطة قاتلة جسديا وسياسيا على حد سواء. بالعكس، إن الكفاح ضد الوباء يتطلب التغيير أكثر من أي وقت مضى.

التغيير السياسي أولا، بمعنى تنمية الديمقراطية استجابة للأمنية الرئيسية للحراك، أمنية الحركة الشعبية العظيمة التي أفضت إلى إجراء الانتخابات الرئاسية. إن تحقيق هذه الأمنية واجب شرف على الرئيس المنتخب.

في البلدان الديمقراطية، يشكل تسيير الوباء، تقييمه ونقده موضوع نقاش ديمقراطي دائم. وهذا النقاش يعد واحدا من الأدوات الرئيسية للكفاح ضد الوباء وتسييره. في كل مكان، في الجمعيات المنتخبة، في وسائل الإعلام، تجري مناقشة كافة المسائل المتصلة بالوباء بدون حدود وبروح نقدية لا تساهل فيها: تطور الوباء، نقاط الضعف، نقائص السلطات العمومية، أوضاع المستشفيات ومصالح الاستعجالات، مصداقية أنواع المراقبة في المطارات والأماكن العامة، التطبيق الميداني للإجراءات المعلن عنها، توفر الفحوص، شبكة مراكز تقصي المرض، الآفاق الاقتصادية، تطور البطالة، الخ.

في تلك البلدان، لا أحد يفكر في وضع قيود لهذا النقاش ما دامت التجاوزات التي قد تحدث، لاسيما في شبكات التواصل الاجتماعي تعد في المحصلة النهائية أقل سوءا من مساوئ الإقدام على خنقه أو التضييق عليه. أما البيروقراطي، فينظر بالعكس إلى كل انتقاد على أنه ينبعث عن سوء نية وعن إرادة المساس بسمعة البلاد وتهديد استقرارها.

والبيروقراطي السياسي ما هو في الواقع سوى الابن الطبيعي للبيروقراطية الاقتصادية. كل تجربة القرن ال20 تشهد على ذلك. فمثلما كانت البيروقراطية الاقتصادية تحارب المضاربة، متناسية أنه ليس للمكاتب وإنما للسوق القدرة على تحديد الأسعار، كانت البيروقراطية السياسية تحارب الديمقراطيين.

ومن الواجب كذلك أن يقع التغيير الاقتصادي في أقرب وقت أيضا. يجب إزالة البيروقراطية عن الاقتصاد، تحرير المبادرات، الانتقال بسرعة إلى اقتصاد سوق ذي بعد اجتماعي. إنها مهمة حيوية غير قابلة للتأجيل هي أيضا. لقد تبين بوضوح، خلال هذه الظروف الصعبة، أن القطاع الذي تمكن من إنقاذ البلاد، تأمين الغذاء لساكنتها، لم يكن سوى قطاع الفلاحة والصناعات الزراعية الغذائية، أي بالضبط القطاع الذي شهد أكبر تطور للاقتصاد التنافسي.

تاريخيا، كانت المجتمعات على الدوام تتحول، تتقدم أو… تنهار من خلال المحن والأزمات. وهذه الجائحة اختبار لجميع الأمم، لقدراتها على التصدي وإصلاح ذاتها. هذه المحنة المرتبطة بمرض الكوفيد-19 قد توفر لنا – وهذه مفارقة – فرصة لتحديث دولتنا وبلادنا، للتقدم نحو الجمهورية الجديد التي يعد بها الحكم ويتمناها الجميع. وإذا تباطأ الحكم ولم يعمل بحزم في هذا الاتجاه، سوف يترك لدى الرأي العام، بغض النظر عن نواياه الحسنة، شعورا بأنه يوظف هذه الأزمة لإطالة عمر النظام وللحفاظ على الوضع الراهن. وبالتالي تكون النتيجة عدم انخراط المجتمع في العمل ضد الوباء؛ فلن يبقى للحكم عندئذ، في ظل هذه الأزمة الصحية الكبرى، سوى لوم الشعب على ” عدم وعيه “.

د. جمال لعبيدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك