النسخة الجزائرية من البدون قفزة نوعية خطاها النظام

IMG_87461-1300x866

صديقي يوسف فتح الله هو الذي روى لي ما حدث في مطار بغداد، عندما حلً بومدين في أول زيارة له للعراق، بعد تنحية بن بلة من الحكم. زيارة صادفت وصول مجموعة من الشخصيات المعارضة إلى هذا البلد العربي، كانت مقيمة في باريس لفترة، بعد هروبها من الجزائر نتيجة معارضتها الانقلاب على بن بلة. سفير الجزائر في العراق، استعجل أمره ليخبر بومدين وهو لايزال في قاعة الاستقبال بالمطار، أنه تواصل مع المسؤولين العراقيين، ليخبرهم أن السلطة الجديدة في الجزائر تنظر إلى استقبال هذه المجموعة المعارضة على أنه عمل غير ودي، فما كان من بومدين إلا نهر سفيره وتوبيخه… أنت سفير ثورة وهؤلاء مواطنون جزائريون، أين تريدهم أن يذهبوا إلى القطب الشمالي، الأحسن أن يكونوا هنا في العراق، بدل فرنسا التي يمكن أن تحاول استعمالهم ضدنا.. اتصل بهم ووفر لهم جوازات سفر وأعطهم ما يكفيهم من مال، لكيلا يكونوا تحت رحمة نظام البعث هنا، أو أي نظام آخر.. هذا هو المطلوب منك.

هذا ما حصل حسب شهادة صديقي فتح الله، الله يرحمه الذي كان من بين أعضاء المجموعة المعارضة. بالطبع بومدين لم يكن دائما بمثل هذه «الحنية» مع المعارضة، فقد جرّب لغة الرصاص والنفي، عندما اقتنع بخطورة بعض الشخصيات على سلطته، في سنوات حكمه الأولى، كان فيها خائفا على نظامه وعلى نفسه من بعض وجوه المعارضة، التي كانت تتمتع بشرعية تاريخية وسياسية كبيرة، كما كان الحال مع كريم بلقاسم ومحمد خيضر، اللذين تم اغتيالهما بدم بارد في أوروبا. تغير بومدين في سلوكه بعد أن دعّم حكمه، واكتسب شرعية شعبية ودولية لم يعد فيها مهتما كثيرا بهذه المعارضة الضعيفة، في الخارج وحتى الداخل.

قفزة نوعية خطاها النظام الجزائري في التعامل مع وجوه المعارضة في الخارج، في فترة حكم الرئيس الشاذلي وهو يسمح بدخولها إلى الجزائر، كما حصل مع بن بلة.. طاهر زبيري وبشير بومعزة وغيرهم. خطوة يمكن تفسيرها بعدة مستويات منها تقلص حدة الصراع الشخصي التي كانت سائدة بين بومدين وهذه الوجوه السياسية العسكرية الشرسة، التي لم تعترف له بشرعية كاملة حتى وهو على رأس الدولة، زيادة على نوع من الاستقرار الذي وصل إليه نظام الحكم، وهو يتعامل مع معارضة في جو سياسي تعددي جديد، كشف ضعفها وفشلها في الانغراس داخل المجتمع واكتساب قاعدة شعبية، لم تعد قادرة بالتالي على تهديد نظام الحكم.

مقدمة تاريخية كانت ضرورية، للقول إن ما تجرأ عليه النظام في الجزائر هذه الأيام وهو يفكر في تجريد بعض الجزائريين من جنسيتهم الأصلية أو المكتسبة، عمل شاذ وخارج تماما عن سياق الوطنية الجزائرية، التي تقدس لحد الهوس هذه الرابطة التي تجمع الجزائريين في ما بينهم وفي علاقاتهم ببلدهم. إجراء إن تم فعلا سيكون قطيعة سياسية وعاطفية في علاقة الجزائريين ببلدهم ودولتهم الوطنية. تتحمل السلطة على رأسها تبون، كل تبعاته، التي ستحسب عليه كرئيس تم أثناء حكمه تجريد بعض الجزائريين من جنسيتهم عبر هذا القانون – الفضيحة. سلطة يكون قد خانها الذكاء والقدرة على التمييز، وهي تقترح مثل هذا النص القانوني الذي يعدل وينظم منح الحصول على الجنسية، سيبقى عمليا غير قابل للتطبيق، في وقت تنوعت فيه أجيال الهجرة الجزائرية، وزاد فيها اهتماما بما يحصل داخل البلد، لعدة اعتبارات، منها ما هو متعلق بما توفره التكنولوجيا من وسائط تواصل، زيادة على تأهيلها وارتفاع مستوى تعليمها وتحسن مستواها الاقتصادي. شروط جعلت الهجرة بمختلف مكوناتها تتحول إلى رافد مهم للحراك الشعبي، بكل التنوع الفكري والسياسي الذي يميزه.. حراك مهجري تميز بحيوية كبيرة، نافست ما هو موجود في المدن الكبرى كالعاصمة، وهو يجوب شوارع وساحات باريس أو مونتريال الكندية.

قانون لا يملك حظوظا فعلية كبيرة في المصادقة عليه، لخطورة تبعاته على المنادين به – على رأسهم وزير العدل والقوى النافذة التي تقف وراءه ـ سيتحول إلى فتيل حرب داخل النظام نفسه، الذي لن تقبل كل القوى داخله بهذه – الهرطقة السياسية التي تمس بعمق بتراث الوطنية الجزائرية وقيمها المركزية. قانون لم يجرؤ أي رئيس على الإقدام عليه، حتى وهو يشعر بأعلى درجات الخوف على حياته ونظامه، كما كان الحال مع بومدين في سنوات حكمه الأولى، التي تعرض فيها لمحاولات الانقلاب والتصفية الجسدية أكثر من مرة. عكس، ما نلاحظه الآن من ابتعاد عن العنف على المعارضة في الداخل والخارج، كوسيلة تغيير سياسي ومطالبتها السلمية، بإصلاح للنظام السياسي، وبمشاركة سياسية لم تُسمح لها داخل الجزائر لإنجاز القطيعة المطلوبة مع نظام تحول إلى خطر على وحدة الجزائريين، كما يبينه مشروع هذا النص القانوني المقترح، الذي لن يشوه صورة النظام فقط على المستوى الدولي، بل البلد برمته، وكل مؤسسات الدولة الوطنية. في وقت تطرح فيه المنظمات الدولية الحقوقية مسألة الاعتقالات والتعسف في استعمال العنف ضد المواطنين المسالمين.

معارضة ستحصل على دعم شعبي أكبر في الخارج والداخل، كشكل تضامن طبيعي من شعب مُسَّ بأقدس ما لديه من روابط وقيم، حتى إن لم يكن بالضرورة موافق على بعض مواقف هذه المعارضة في المهجر، التي مازالت معزولة ومن دون سند شعبي. كما تبينه يوميات الحراك، منذ اكثر من سنتين. سند شعبي حتى ولو كان مؤقتا يمكن أن تحلم به إذا وصل الإحساس بالخوف إلى فئات واسعة من المهاجرين بعد الإقدام على هذا القانون المعيب في نظام عدالة مأمورة لا يتمتع بالحد الأدنى من الاستقلالية. قانون قد يتحول في حالة المصادقة عليه إلى محطة لإنتاج النسخة الجزائرية البشعة من البدون، المعروفة في بعض أنظمة الخليج، لأسباب ديموغرافية، مذهبية وسياسية لا تتوفر أدنى شروطها في الحالة الجزائرية. لم يكن الجزائريون يتصورون حدوثها في المطلق، في بلدهم، بعد خروجهم للمطالبة بحقوق سياسية أكثر، بتغيير نظام يبدو أنه فقد بوصلته وبدأ «يخبص بلغة إخواننا الشًوام.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. hassan

    QU AND   A UNE PEUPLADE QUI ENCAISSENT TOUS LES COUPS SANS LA MOINDRE RÉACTI , IL FAUT S'ATTENDRE A ÊTRE PRIVÉ MÊME D'OXYGÈNE. HEUREUX S T LES M ORTS QUI NE VOIENT PAS CE QU'IL EST ADVENU DE SE BLAD

  2. راه شافو بان بعض الدول الاوروبية كيحيدوها للممجرميين الكبار والموالين لداعش ولكن نسات العصابة ان هده الجنسية هي الثانية والاولى ليس من حق احد ان يتدخل فيها الا في قانون الغابة للدول الغبية.

  3. القرش

    جنيرالات الجزائر العسكرية الإنقلابيين يوهمون الشعب على أن الجزائر قوة إقليمية وٱقتصادية وسياسية وديبلوماسية ، والتضح جليا للمواطنين الجزائريين أنها مجرد أكاذيب ونفاق وكلام لا أساس له على أرض الواقع رغم ما توفرت عليه الجزائر من إمكانيات مادية هربت للخارج من طرف الجنيرالات والباقي صرف لأجل زعزعت ٱستقرار المغرب ومحاولة فصل صحرائه عن الوطن الأم بتأسيس مليشيات مرتزقة ٱنفصالية فوق الثراب الجزائري وتدريبها وتسليحها لمهاجمة المغرب بصرفها 500 مليار دولار عليها دون الحصول على شئ ، على حساب الشعب الجزائري الذي ما زال يقف في القرن الواحد والعشرين في طوابير مسافة عشرات الأمتار لأجل شكارة حليب وسميد ولهاذ يخرج مرة أخرى للحراك لأجل حقه في تقرير مصيره من طغاة جنيرالات ٱستولوا على كل الخيرات الجزائرية ويطالبون بنضام مدني حر يختاره الشعب بكل حرية وليست عسكرية .

  4. مزطول

    الجزائر اصيبت منذ عقود بمرض عضال ضل ينخر وينتشر حتى اصاب بعض من الزوالية . وهذا الامر العضال لا شفاء منه و حتى اخر الدواء الكي غير مجدي ليبقى فقط البتر لان العضو تعفن الى درجة انه يهدد باقي الاعضاء , العضو المتعفن انشطر الى شطرين شطر بالسجن وشطر ينتظر وما بدل تبديلا . البتر يتطلب صبرا كصبر ايوب يتطلب تضحيات كبيرة جدا  (لا حل الا الخروج يوميا ) اننتقل للمغرب لاني اعتقد جازما ان مصيرنا واحد تصورا حين يتعلق الامر بالتصويت على مشاريع قوانين اجتماعية لا يحضر احد للبرلمان المغربي ومن حضر ينام لانه قضى ليلة حمراء بالربط لكن حينما تعلق الامر بقضية الانتخابات عج البرلمان بهم وتزاحموا وحتى انهم كسروا التباعد الاجتماعي طبعا لقضاء حوائجهم وللتشبث بالحصانة لحماية ثرواتهم  ( بالمناسبة كل ممثلي الامة يغرقون في الثراء عنى اذنهم  ) وان ما يتقاضونه من راتب وتقاعد وسمعتها شخصيا من فم احدهم انها مجرد فلوس الجيب اي Pocket money  ) لا غير .لنا ايضا امراضنا العضال التي يجب بترها . اما تونس الخضراء في جملة واحدة الديموقراطية لا تستقيم من دون ديمقراطيين وخاصة بمشاركة الخفافيش ليس في اي ديقوقراطية في العالم ديمقراطيتين وشرعيتين .في ليبيا الغير المأسوف عليه عمق وجذر في الدولة القبيلية بدل المؤسسات كانت قوته تنهل من التفرقة لانه كان دوما يخاف الوحدة وهذه التفرقة كانت مصدر قوته وجبروته وطغيانه ومن الصعب القضاء عليها بين الفينة وارجو من اعماقي ان ينجح اليوم الرئيس في علاج وبتر هذا الورم الخبيث المسمى القبيلية القرشية موريطانيا : وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة وهذه هي المعادلة الآن ام الدنيا لانها عمق حيوي وقنطرة او كوبري على لسانهم لربط مغرب الشمس بمشرقها لكن اليوم ومع استمرار الورم الخبيث المسمى مباحث امن الدولة وتغوله وفساده في السماء والارض وما بينهما هذا الجهاز يذكرني باوفقير والبصري ( وبنزار وتوفيق _ على قيد الحياة  ) وبنعلي الصعلوك وحافظ الاسد جزار حماة وصدام النابلم وبالمنشار الكهربائي بالمناسبة كنت في كل هذه البلاد باستثاء ارض المنشار وكل منشار وانتم بخير

  5. متتبع

    تصوروا معي لوأن النظام المخزني يقوم بتدعيم أي جهة في الجزائر تريد الانفصال بمثل ما يدعم النظام الجزائري للانفصاليين المرتزقة تخيلوا ماذا سيفعل حكم العسكر ومعه بوصبع لزرك .

  6. elgarib

    الشعب فائق من زمان و لكن الوسائل إختلفت و الدليل قمع المخابرات الإرهابية المجرمة سي ومحند و أيت أحمد و خيضر و بولفراد و الربيع القبائلي و مصطفي بويعلي و علي بن حاج و الكثير منهم. أحمد طالب إبراهيمي في شهادته عبد القادر حشاني طلب فوزها في الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991

الجزائر تايمز فيسبوك