تحول “النووي الإيراني” من تحد عالمي إلى مشكلة إسرائيلية

IMG_87461-1300x866

معظم الأشخاص الذين جلبوا لكم حرباً زائدة في صيف 2014، حيث كان يمكن منعها في قطاع غزة (51 يوماً بدون حسم في عملية “الجرف الصامد”) معظمهم متورطون فيما يحدث في هذه الأيام بالزحف المستمر والخطير نحو إمكانية مواجهة عسكرية أكثر شدة مع إيران. فها هم نتنياهو وغانتس وكوخافي، جميعهم كانوا هناك، في ذاك الصيف البائس قبل سبع سنوات، وحصل الأخيران الآن على ترقية؛ من رئيس أركان إلى وزير دفاع، ومن رئيس قسم الاستخبارات العسكرية إلى رئيس الأركان. أما موشيه يعلون الذي كان في حينه وزيراً للدفاع فلم يعد موجوداً في الصورة.

 وبقيادة هؤلاء، يمكن لإسرائيل أن تجد نفسها في ورطة بحجم أكبر كلياً. هذه هي صورة الوضع، عشية عيد الاستقلال الـ 73، تحت حكم نتنياهو. من الأفضل عدم الانجرار خلف تصريحات رئيس الحكومة الواثقة والمتغطرسة في الاحتفالات الرسمية. كما يظهر إلى جانب الخطر الداخلي (شرخ خطير بين المعسكرات الصقرية، وتحطيم جهاز القضاء، ورائحة متواصلة من العنف السياسي في الهواء) خطر خارجي تشكله احتمالية التصادم مع إيران.

 أمس، تم تسجيل فصل آخر في التصعيد، في أعقاب هجوم ثالث خلال شهرين على سفينة تجارية بملكية إسرائيل في بحر العرب.

عملت إسرائيل من تحت الرادار ضد سفن إيرانية، قام معظمها بتهريب النفط إلى سوريا خلال ثلاث سنوات، بعد سلسلة المنشورات حول ذلك، منذ شباط الماضي، غيرت إيران سياستها وبدأت بالرد: سفينة مقابل سفينة.

 خلافاً للانطباع الذي قد يتولد، فما كل شيء يمكن قطعه حسب خطوط الصدع السياسي. نتنياهو ذاهب إلى هذه الأزمة بعيون مفتوحة، يداً بيد مع غانتس، رغم العداء بينهما. إن الترسبات الشخصية بينهما كبيرة في كل ما هو متعلق بتشكيل الحكومة القادمة. ومن المشكوك فيه إذا كان غانتس سيوافق على أن يغفر وينسى كل ما أوقعه به نتنياهو في السنة والنصف الأخيرة. يواصل غانتس المواجهة مع نتنياهو واشتراط التوقيع على شراء لقاحات كورونا أخرى بتعيين وزير عدل، ولكنه في الشأن الإيراني مقتنع بأنه هو الذي يقود وليس من يُقاد. بهذا، في الحقيقة يعدل مواقفه طبقاً لنتنياهو. تحتهم رؤساء الأجهزة الأمنية والوحدات التنفيذية في الجيش والموساد، وجميعهم نشطون ومليئون بالمبادرات، يتنافسون على التأثير والإنجازات، أحيانا هكذا يبدو، بدون فحص تام للتداعيات الاستراتيجية.

 ما جرى حيال غزة، في الصيف الذي كان قبل سبع سنوات، يذكر بدرجة معينة بالوقت الحالي. فإسرائيل الآن لم تحدد لنفسها أي أهداف ولم تفحص أي بدائل ولم تعدّ أي خطط للانطلاق. والآن تُجر عميقاً إلى مواجهة، وتزيد في كل مرة قوة الضربات الموجهة للعدو. بعد ذلك، سيتحدثون عن خطأ في الحسابات، التي لم يكن فيها أي طرف فيها يريد الحرب. في 2014 حدث هذا على الأقل في ظل حكومة مستقرة نسبياً، أما في هذه المرة فلا يجتمع الكابنت، والحكومة الانتقالية تعمل بصعوبة، وأنظمة الرقابة (لجنة الخارجية والأمن ومراقب الدولة والأغلبية الساحقة من وسائل الإعلام) تنام واقفة.

 وهناك في الخلفية، وجديرة العودة إليه والتذكير به، ضائقة اللاعب الرئيسي. الأسابيع الأولى من محاكمة نتنياهو التي خصصت لشهادة مدير عام “واللاه” السابق ايلان يشوعا، في ملف 4000، كشفت درجة المخاطرة التي يتعرض لها رئيس الحكومة كلما طالت المحاكمة. لنتنياهو حاجة ملحة في تشكيل ائتلاف جديد برئاسته الذي قد يجد طريقة معينة لتعويق الإجراءات الجنائية ضده.

 يجب أن يتمتع المرء بقدر مدهش من السذاجة أو أن يكون تابعاً غبياً كي يعتقد بأن هذا الجانب غائب تماماً عن اعتبارات رئيس الحكومة في الساحة الأمنية. وإن خلق وضع طوارئ عسكري أسلوب مؤكد كي يتم بواسطته إحداث هزات سياسية. إذا لم يكن غانتس فقد يساعد الرافضون من اليمين، بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غبير وجماعتهم، في البحث عن تشكيل الحكومة، وذلك رغم حاجة نتنياهو إلى الاستناد (على الأقل من الخارج) إلى أعضاء الكنيست من “راعم”، أعضاء الحركة الإسلامية. وربما سيغمز لهم أيضاً الاحتكاك مع الإدارة الأمريكية.

 قد تكون طموحات نتنياهو محدودة أكثر، فإذا فشل في محاولة تشكيل حكومة، فسيستعين على الأقل بوضع الطوارئ الأمني ليسحب هذه الإمكانية أيضاً من خصميه يئير لبيد ونفتالي بينيت ويمدد فترة ولاية الحكومة الانتقالية برئاسته. يعمل نتنياهو الآن مثل وكيل للفوضى، لأن الفوضى وحدها تخدمه الآن.

علامات استفهام محلقة

تدير إسرائيل بصورة موازية ثلاث عمليات هجومية ضد إيران: الصراع ضد المشروع النووي الذي يشمل -حسب منشورات أجنبية- اغتيالات وهجمات سايبر وتخريباً في المنشآت نفسها؛ والمعركة، الجوية بمعظمها، ضد زيادة القوة العسكرية وتهريب السلاح في سوريا لبنان؛ ومثلما كشف مؤخراً، العمليات البحرية التي أصيبت فيها سفن تهرب النفط، وأحياناً السلاح، إلى سوريا.

أثمر الجهد الأول خلال السنين عن نتائج جيدة، كما أشار الجنرال احتياط غيورا آيلاند في مقابلة مع هيئة “كان”. تقدير الاستخبارات العسكرية في 2001 كان يقول إن إيران ستتوصل إلى القنبلة خلال أربع سنوات. وقد مرت 20 سنة ولم تتحقق هذه النبوءة. لم يحدث هذا بسبب عدم محاولة إيران التوصل إلى قدرات نووية. حتى في القنوات الأخرى، سجل لإسرائيل نجاح عملياتي غير قليل. وفي كل الأحوال، كانت عمليات الرد الإيرانية ضئيلة جداً، وغالباً ما تفشل.

 علامات الاستفهام تحلق حول الجرعة وتوقيت العمليات الأخيرة. فحسب التقارير، وقعت ثلاث هجمات في أسبوع تقريباً: انفجار سفينة القيادة التابعة لحرس الثورة الإيراني في البحر الأحمر، وقصف جوي لإرسالية سلاح في منطقة دمشق، وانفجار في منشأة نطنز. وتنضم هذه العمليات إلى الضربات السابقة التي تعرضت لها طهران خلال أقل من سنة، وعلى رأسها اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورئيس المشروع النووي العسكري، العالم محسن فخري زادة (الأولى كانت أمريكية، والثانية نسبت لإسرائيل).

 هذه العمليات الثلاث وقعت في أسبوع استأنفت فيه الدول العظمى المحادثات مع إيران في فيينا حول اتفاق نووي جديد، وحول انضمام الولايات المتحدة، في الوقت الذي جاء فيه وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن إلى إسرائيل في زيارة عمل. فعلياً، كان الهجوم البحري والانفجار في المنشأة قد سبقا افتتاح جلسة المحادثات ومجيء اوستن ببضع ساعات. يدل التزامن على أن اختيار هذه المواعيد لم يكن صدفياً، بل استهدف نقل رسالة حادة ومباشرة لإيران، والأهم للأمريكيين. في حين أن التراكم قد يؤدي إلى تفاقم الوضع من ناحية إيران التي لم تسارع بشكل عام إلى الرد على الهجمات السابقة، فإن الزعيم الروحي الأعلى، علي خامنئي، قيّد الانتقام في السنتين الأخيرتين، وفضل في تلك الأشهر التركيز على الهدف النهائي وهو رفع العقوبات، وفي المقابل عودة كاملة إلى الاتفاق النووي، الذي لا يفرض أي قيود صارمة أكثر على إيران مما هو موجود في اتفاق 2015 الأصلي.

       معضلة استراتيجية

 انضم إلى الصورة عامل آخر هذه المرة. فقد تنازلت إسرائيل كلياً عن سياسة الغموض، وقدم رجال استخبارات غير معروفين إحباطات تفصيلية عن طبيعة العمليات ومن قاموا بتنفيذها. هذه هي النقطة التي اختلف فيها غانتس مع نتنياهو. ووجه وزير الدفاع أول أمس انتقاداً علنياً بشأن التسريبات وطلب التحقيق فيها. في نهاية المطاف، وفي أثناء عملية “الجرف الصامد” في غزة، تسرب للقناة 2 وبتوقيت حساس، عرض سري قدمه الجيش لمجلس الوزراء حول الثمن المتوقع لاحتلال غزة. بطريقة معينة، لم يتم التحقيق في هذه القضية رغم الطلبات المتكررة.

 المنشورات الكثيرة تخدم الصورة العامة لنتنياهو كقائد للخط الهجومي غير المتصالح ضد إيران. ولكن من غير المستبعد أنهم يدفعون إيران إلى نقطة ترى فيها نفسها ملزمة بالرد بصورة أكثر شدة، بهدف الحفاظ على ميزان ردع معين أمام إسرائيل.

 جهاز الأمن يستعد لسيناريو انتقام محتمل من بداية الأسبوع الحالي، قد يشمل إلى جانب المس بسفن يمتلكها إسرائيليون، هجوم سايبر على مواقع حساسة للبنى التحتية، وحتى سيناريو متطرف، بمحاولة شن هجوم دقيق بواسطة طائرات بدون طيار. سبق أن عمل الإيرانيون ضد مواقع شركة “أرامكو” في السعودية في خريف 2019. وتجنيد طهران “حزب الله” لصالحها تظل الآن احتمالية أقل واقعية. الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي ينشغل بالأزمة الاقتصادية والسياسية الكبيرة في لبنان، لن يتطوع كما يبدو لهذه المهمة.

 في الخلفية لم يتضح بعد سؤال متى عرفت الولايات المتحدة عن مهاجمة السفينة الإيرانية وانفجار نطنز. رفض اوستن، الذي سئل عن ذلك أثناء زيارته لإسرائيل، الإجابة على ذلك، لكنه أكد في المقابل التزام إدارة بايدن بحل سلمي للمشكلة النووية.

 لم يكن بالإمكان تجاهل النغمة الحاسمة والموجزة التي تحدث بها الوزير الضيف عن مشكلة إيران. لم نسمع منه خطابات عن الالتزامات التاريخية للولايات المتحدة بمنع تهديد نووي لإسرائيل. وحتى الزيارة التقليدية في مؤسسة “يد واسم” لم تستخرج من اوستن عبر الكارثة المحببة على رئيس الحكومة. لا شك بأن نتنياهو الآن في ذروة عملية فطام طويلة ومؤلمة في أعقاب انفصاله عن ترامب.

 كل شيء كان بارداً وموضوعياً في هذه المرة. ويمكن التخمين بأن العلاقات ستزداد برودة، إذا تبين أن الأمريكيين تفاجأوا من حادثة نطنز. في المقابل، مثلما تشير إسرائيل، الانفجار الذي حل في المنشأة شل، كما يبدو، قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم لأشهر كثيرة. بذلك، سحبت من إيران ورقة مساومة رئيسية في المفاوضات مع الدول العظمى على الاتفاق النووي المحدث، وهذا يساعد الأمريكيين.

 لقد مر يوم من التشويش في طهران إلى أن اتهم النظام إسرائيل بشكل مباشر بالمسؤولية عن انفجار نطنز. توجه وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى مجلس الأمن، وقال إن الأمر يتعلق بجريمة حرب لإسرائيل. وأضاف بأن العملية كانت مقامرة سيئة بالنسبة لإسرائيل وأنها سترد عليها.

 العقيد احتياط اودي افينطال، من معهد السياسات والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتسليا، كتب أمس في موقع المعهد بأن المفاوضات بين إيران والدول العظمى تكشف موقف ضعف لواشنطن إزاء الشعور بالإلحاح الذي تبثه بشأن الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق. إسرائيل، كما يعتقد، وجدت نفسها في معضلة استراتيجية؛ فهل تقود إلى مواجهة علنية مع إدارة بايدن مثلما تصرف نتنياهو مع إدارة أوباما في 2015، أم تحاول تعميق التعاون معها في محاولة لتأمين مصالحها الاستراتيجية في المفاوضات.

 افنطال غير متفائل، وحسب أقواله: “تبدو إسرائيل كمن اختارت بديل مقاربة المواجهة، إذا كانت تقف من وراء العمليات المنسوبة لها ضد إيران”. وقد حذر من أن هذه المقاربة، قد تتضح كنسخة ثانية للخطأ الذي حدث قبل ست سنوات عندما لم يستطع خط المواجهة الذي اتبعه نتنياهو منع الأمريكيين من التوقيع على الاتفاق. الآن أيضاً، الدول العظمى الأخرى تؤيد موقف بايدن. في هذه الظروف، قد تجد إسرائيل نفسها في عزلة، وسيتحول والتهديد النووي من تحد عالمي إلى مشكلة إسرائيلية.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك