الشعب الجزائري وجهاَ لوجه مع مخابرات الجنرالات الإرهابية في كل زقاق وشارع ورصيف

IMG_87461-1300x866

 في مخيال الجزائري يختصر الجيش في عدد من الجنرالات الأقوياء المتنفذين ويتعداه إلى جهاز المخابرات أو “السرابس” بالتعابير الدارج، وهي صورة ظلت تدور في الرؤوس منذ فجر الإستقلال إلى غاية اليوم.. صورة مهيبة الجانب محترمة وفيه الكثير من الإعتزاز والفخر، ولكن في لحظة فارقة راهنة تزعزعت الصورة، وغدت مفككة ومتشظية بدون سطوة، وأصبحت اليوم في مرمى حراك تلبس بأقنعة غامضة، وشعارات مناوئة لها ملخصة في جملتين وحيدتين تلعلعان وتصداحاني في كل زقاق وشارع ورصيف: les généraux à la poubelle )الجنرالات إلى المزبلة( و”مخابرات إرهابية”. 

لا تعطينا الصورة أكثر من هذا، ولا تمدنا بالخلفية التي جعلت الشارع أو بعضه فجأة يطلق هذين الشعارين ويفرضهما بقوة كصوت عال وعار كل جمعة وثلاثاء، أصبح الأمر برمته محير ومشوش ومرتبك وقاتم، وأصبحت معه فكرة التغاضي عن التأويلات المغرضة التي تتكثف حولها بلا قيمة، حتى الأيدي التي تعبث بها سواء أكانت داخلية أو خارجية، عصب أو نخب، هياكل أو تنظيمات، فرق ضالة، أوعصابات، قد تكون وراء تشكيل الشعارين ورسم معالمهما وطرق إدامتهما في الشارع مهما خفت أو تصاعد، إنما هي أيدي حقيقية معروفة ومعرّفة بالألف واللام وليست مجهولة أو شبحية أو هلامي.

نشأت المخابرات الجزائرية مثلها مثل أي مخابرات في العالم في الظلال والخفوت والصمت، وضربت على متونها الأسلاك وستائر الحديد، لم تدون سيرتها بالشكل الذي يسمح للمتابعين بفهم طبيعتها فتلك شروط السرية والخفايا والخبايا، وهو ما تركها دوما هدفا لسهام الأقاويل والتكهنات والتفسيرات وحتى الإفتراءات.

طبعا لعبت أدوارا مفصلية ومعقدة وخطيرة في بناء الدولة الجزائرية وإستقرارها، أصابت وأخطأت، حاربت وأنكسرت، وعملت على التغلغل في مفاصل وهياكل الدولة حتى أنها في زمن ما عرفت بأنها “دولة داخل دولة”، وعندما دخلت الجزائر في دوامة الليل الأسود للإرهاب كان أبطال المخابرات البسطاء أبناء الشعب يتقدمون الصفوف الأمامية، يجمعون المعلومات ويقاتلون ويخططون وينفذون ويحمون بل يستشهدون على أرض باردة لم يبقى من أثر لهم سوى شواهد قبور أو دموع الأهل والأصدقاء يبكونهم بحرقة بعيدا عن الأعين.

كانت تلك مهمات قاسية شائكة ومؤلمة موشومة على جسد المؤسسة العسكرية، محفوظة في الذاكرة الجريحة لوطن ظل يواجه على إمتداد عقود شدائد العواصف والنكبات والأزمات والأعطاب.

لم تتغير المخابرات بكافة فروعها اللهم إلا في التسمية وبقيت تسمية الـ DRS الأشهر بينها تجذرت في الأدبيات والصالونات والمواقع والأحاديث، كان يشار إليها بالبنان والهمس والرمز والعيون الدوارة، واليوم غدت في واجهة القذف والنقد والتجريح وحتى الحقد من لدن شارع مقنع بألف وجه كرس نفسه للغضب والإحتجاج العفوي منه والمخطط له والمستحوذ عليه.

وما دام الجيش وفرعه الأقوى المخابرات في عين إعصار الحراك وهذا الأخير يبدو في نظر العديدين يدور ويتلولب في فراغ مستحب بدون فاعلية أو أفق إلا أن حدته وسخطه ستزداد في مقبل الأيام من أضيق شارع إلى أوسعه، ومن أبسط مواطن إلى المسيس منه إلى الجاهل إلى المشجع الكروي إلى غيرهم من الفئات التي تجوب الشوراع كل جمعة جئية وذهابا، فإن المنقذ الوحيد في رأي هو الجيش الذي عليه أن يبحث للحراك عن ملاذات آمنة من التيه والدوران والإستغلالات البينة والإستحواذات المطلة برأسها بين الحين والآخر.

لم تنجح أية حلول قادمة أو مبشرة بالخلاص في ردع صدع الشارع.. لا أئمة المساجد ولا الساسة ولا الرئيس بوعوده الكثيرة الرنانة، ولا حكومة ضالة الطريق، ولا بهلوانات المجتمع المدني الذي يراد بناءه تحت أعين النظام وفي جبته.. أقترب الشارع أكثر من نطاق العبث واللامعنى والضياع حيث أنسحب ببطء شديد من يقال أنهم عرابيه ورموزه الكثيرة الزئبقية، أصبح في مهب تجاذبات تشمل عائلات إسلامية وتيارات غامضة التوجه أشبه ما تكون بكارتلات مغلقة تتقوى من ضعف المبادرات وبؤس المقترحات وهو ما يجعلها عصية ومتصلبة يصعب الولوج إليها، ناهيك عن المؤثرين في الميديا بتشكيلاتهم المتنوعة وخطاباتهم الشعبوية الخالية من أي روح خلاقة تقفز نحو المستقبل الصعب وهي للأسف تستحوذ على قلوب وعقول شعب الحراك وتتغذى من الفراغ المتغلغل فيه ولسبب ما تستوطنه وتسكن فيه كأنه أبدي أو أزلي.

خلا الحراك اليوم من نواة واضحة تتجه به نحو مواقع تنفذ إلى عمق المشاكل الحقيقية التي تسري في محيط المجتمع الظاهر أن لا أحد يعرف أصلها أو حتى شكلها، وعندما تسأل أي أحد في الشارع من بمقدوره تأمين المخارج الكفيلة بتعليق التيه والتخبط الذي يدور في سماء الحراك فلن تجد من يشفي غليل الترقب أو حرقة السؤال.

الحلول ليست مستحيلة هي بيد العسكر وكما كتبت أكثر من مرة وكي لا تتضخم القراءات التي تصاحب فكرة نزول نخب الجيش إلى الشارع وفتح قنوات واسعة معه والإحتكاك به بشكل عفوي دون وسيط أو رقيب، فإن حضورهم بالشكل والصوت والصورة سيعزز من تيمة “الجيش خوا خوا” التي غابت وغيبت ومحيت من النص والسرد في عملية إنتقال مبهمة إلى الشعارات السابق ذكرها.

على سريالية الفكرة التي لربما قطعت مع تقاليد وعقيدة راسخة مقدسة حيث ينظر إلى الجيش دوما على أنه قلعة محصنة ضد الرياح والأعاصير والعيون المتلصصة، وبقي حبيس هذه السرديات التي تسبك عنه وتقال وحتى تشاع عنه الأقاويل والمفتريات على صحة بعضها، فإن تخطي ثقافة التقوقع هذا سيتيح للجيش أن يصبح فاعلا أكثر، وستسن من خلاله عقيدة جديدة تواكب الأحداث منسجمة مع التحولات السريعة التي تتطاير هنا وهناك، وعليه أن يكسر قاعدة الترقب والتريث والحسابات والتكيتكيات التي لها صلة بالسياسة أو بغيرها من الأحداث الداخلية والخارجية.

في السعي لتفكّيك الشارع المصاب اليوم بتخمة التيه واللامعنى تارة وتشتت المطالب والحقائق تارة أخرى، وإندساس جهات وفصائل وتيارات تراكمت فيه بحذر طوال سنوات وتدربت على تصيد الفرص والأخطاء وبنت عليها أهدافها في بث الفوضى وعدم الإستقرار ونزع الثقة وتتفيه كل مبادرة يمكنها أن تساهم في نزع فتائل الفتن، في مقابل ذلك هناك سلطة أو نظام قائم ولكنه مهزوز مفتقد لرؤية بينة وواضحة وعملية بل كرس مواقف عظّمت الرفض والتمرد لكل ما يصدره من حلول أعتبرت في الأعم ترقيعية غير حقيقية لا تصمد أمام تفاقم المشاكل حتى أنها أصبحت أضحوكة أمام هجمات تشن عليه من طرف الكل خاصة من رواد السوشايل ميديا.

عبر كل هذا المهرجان يصطف الجيش حاملا أثقالا كبيرة، ينقصه الخيال في التعاطي مع نقائض متنافرة.. شارع عنيد وسلطة يعرف جيدا أنها مطاطية وبدون روح خلاقة.. رئيس غدا مريض ومتعب جراء إصابته بمرض لا يقال لنا حقيقته.. ودولة تستمر بشق الأنفس في ممارسة مهامها وتضرب لنا مواعيد يقال أنها ستخرج الهم من بيوتنا.

يشهد الجيش على كل هذا بتحفظ وعين يقظة فهو أيضا متجاذب بين الصقور والكواسر والأجيال الجديدة التي تطلع ببطء بين جناباته في المخابرات في المعلوماتية في الصحة في البحرية في الدرك وفي غيرها من المصالح الإستراتيجية، يظهر كأنه المؤسسة الوحيدة التي يمكنها أن تفك عزلة الميدان المتضخم بشرط أن لا تبقى حبيسة جدران رد الفعل والذي يجعلها عرضة دوما للنقد وبالتالي تختفي من حيث يجب أن تظهر كما حدث مع اللواء قايدي أو غيره من خيرة الضباط والنخب العالية التكوين في كل المجالات والمستويات، كان يمكن أن تستثمر في رمزيتهم بقوة لتهدئة روع الشباب الغاضب المنتفض.

واليوم مع سقوط الكثير من الأقنعة وإنكشاف الضباب الكثيف الذي غطى مسار والهويات المتعددة للحراك سواء أكانت حقيقية أم زائفة، فإن نهاية النفق الذي يسير عليه هذا الأخير يبدأ بإبتكار طرق أخرى وتغير نمط تعامل المؤسسة مع هذا الواقع من خلال الحضور والتميز والتنويع في الخطوة والمبادرة، وتكسير الأسلوب والتقليد في الرؤية والسلوك، وتفكيك الألغام المحيطة بها الموسومة بالضعف والهشاشة والفشل في الإستقراء والتحليل والإستنباط، فالكثير من جيوش العالم مثلا تستعين بنخب من شتى المجالات والتخصصات تستشرف معها الواقع والرهانات والأخطار وتضع الحلول والنتائج، وتفتح أبوابها في سعيها لتفعيل أفضل المبادرات المبتكرة وهو أمر مهم جدا، إذ لا يكفي أن ترفع التقارير إلى أعلى هرم السلطة خاصة لما تكون هذه السلطة هزيلة وبدون أفق أو إستراتيجية أو عقل، بل يجب أن توضع في سياقات جديدة تتخطى التريث والحسابات الضيقة والصراعات الخفية المستورة، دون المساس بحرمة الأسرار الضيقة ومصالح البلاد.

عندها يمكن القول أن بناء علاقة جديدة بين الجيش والشعب ليست مستحيلة أو صعبة بل قائمة على أخوة حقيقية تلك الأخوة التي يحفر في عمقها اليوم أكثر من عدو بعيد يحرك صديق قريب، وعندها سيطمس شعار “دولة مدنية ماشي عسكرية” الغامض ليفسح الأرض والفضاء إلى دولة مدنية تبنى بسواعد الكل بمن فيهم أبناءها العسكر.

أبوبكر زمال

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ظالمة أو مظلومة واش مازال الجيش الجزاءري لم يتحرك لتحرير فلسطين طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز طز حكرين غي على شعبكم يا طحاحنة

  2. السميدع من قارة الاطلسي المغربية

    الجزاءر ليست دولة فقط محمية فرنسية مقادة بعصابة عبارة عن قطاع طرق و مناديب فرنسا لخدمتها فقط لان المخابرات تكون في ظول مستقلة و ليست في شبه دول و تكون لها الغير لخدمة امن و اقتصاد بلدها اما هؤلاء و لو مزية واحدة افادت البلد كل امالهم و تبركيكاتهم فهي ضد شعوب الجزاءر المظلومة و ما طرطقة تريليون دولار لاجل تقرير مصير دولة وهمية سموها الصحراء الا ظليلا قاطعا انها ليست دولة فمجرد عصابة مافيوزية تحتل شعوب الجزاءر المسلمة و دعمها للخوارج عنوة و وقوفها علنا مع الصليبيين الاسبان و الالمان و فرنسا ضد المغرب توضح جليا ما اقوله اما العلاقات مع اسراءيل فحدث و لا حرج و اسالوا السيسي عن الغاز و النحاس الذي تبيعه العصابة لاسراءيل باسعار تفضيلية.اما خارفة ظالمة او مظلومة التي يرددها الرعاع لا علاقة لها بواقع العلاقات الجيدة للعصابة مع اسراءيل.

  3. العوني رشيد

    انه شارون الجزائر سوف يلقى غيا ان الله يمهل ولا يهمل ان بطش ربك لشديد ايها المعتوه لقد كانت موعدك وستحاسب امام الشعب ثم امام الله حيث لا تنفع لا سرقة اموال الشعب ولا شراء الدمام من عند الذين لا دمة لهم ولن تنفعك لا اسبانيا ولا المانيا ستبقى انت واعمالك وافعالك وحينها ستندم يوم لا ينفع الندم لعنة الله عليك الى ان يرث الله الارض ومن عليها

الجزائر تايمز فيسبوك