قضية تجسس "ببيغاسوس" نقطة سوداء في العلاقات بين الأطراف المتهمة والضحايا

IMG_87461-1300x866

 الصدمة التي أصابت المنطقة العربية في قضية «بيغاسوس» نابعة في جزء كبير منها من كون التهمة تحوم حول أطراف كانت إلى حد الآن فوق الشبهات. لقد تعوَّد العالم على فضائح تجسس الكبار بعضهم على بعض، أو على الصغار. أمريكا لهم سجل أسود في هذا المجال، ومثلها روسيا والصين والحكومات الأوروبية، وكذلك إسرائيل. 

ولأن قضية «بيغاسوس» خارج المألوف، ستجد الأطراف المتهمة وحلفاؤها صعوبة كبيرة في إثبات براءتها. وستحتاج إلى وقت طويل وجهد استثنائي. والنتيجة حتما غير مضمونة. القضية تنطوي على الكثير من عوامل الحرج، في مقدمتها استعمال برنامج إسرائيلي الصنع سيئ الصيت في التجسس المفترض. لو كان «سلاح الجريمة» أمريكي الصنع، مثلا، كانت الصدمة ستكون أقل وقعا. ويكمن الحرج أيضا في كون التجسس المفترض طال جهات كثيرة، بعضها تُصنَّف ضمن الحلفاء كما هو الحال مع المغرب والرئيس إيمانويل ماكرون، وأخرى لا تُشكِّل خطرا قوميا أو استراتيجيا، مثل بعض الصحافيين والناشطين.

لو أن التجسس طال فقط صحافيين وناشطين وسياسيين محليين، مهما علت مراتبهم، كان الأمر سيبقى قابلا للدفاع عنه لأن كل دول العالم لديها أدواتها وطرقها في مراقبة مجتمعاتها، وأولها التجسس. غير أن الأمر في حال «بيغاسوس» فاق التوقعات. لن يكفي بيان رسمي محتشم يُكذّب التجسس أو ينفي الحصول على برنامج «بيغاسوس» أصلا. ولن يفيد دفاع «محلل سياسي» يدّعي الحياد في استوديو تلفزيوني أو إذاعي. القضية كبيرة وخطيرة، ولأنها أيضا لا تزال في بدايتها، فالعالم مقبل بلا شك على مزيد من المفاجآت.

إذا كانت المخابرات المغربية أو السعودية أو المكسيكية أو الهندية قد «فعلتها» حقا، فالإصرار على النفي لا يكفي ولن يجدي. سيكون من الحكمة معالجة الموضوع داخليا وعاجلا بالتضحية ببعض الرؤوس (كما هو الحال دائما في مثل هذه المواقف المحرجة) وإيجاد صيغة مُرضية لإصلاح الأمر مع الأطراف التي استهدفها التجسس وانتُهكت خصوصياتها.

هناك أكثر من سبب يجعل رحلة إثبات البراءة طويلة وشاقة. وأيًّا كانت نتيجة الجهد، سيبقى الموضوع نقطة سوداء في العلاقات بين الأطراف المتهمة والضحايا، أشخاص أو أجهزة، خصوم أو حلفاء. هناك ثقة انكسرت يصعب جبرها بسرعة. ليست المشكلة في التجسس كفعل شكَّل منذ الأزل جزءا من حياة الأفراد والمجتمعات، محركه الفضول والرغبة في المعرفة والخوف من الآخر والاستعداد للطوارئ.. إلخ. وأنت تقرأ هذه السطور، هناك دول وجهات تتجسس على دول وجهات أخرى. حتى داخل الدولة الواحدة هناك جهات تراقب أخرى وتتنصت عليها بداعي المصلحة الوطنية العليا. بين الدول هناك أنواع من التجسس.. الاقتصادي والعلمي والعسكري والسياسي والشخصي. كلها تقريبا معروفة ومقبولة في عالم اليوم، والامتناع عن ممارستها هو الشذوذ عن القاعدة وليس العكس. الإشكال يكمن في الطريقة والأسلوب، وفي اختيار التوقيت والهدف بذكاء، وفي التوقف عن «الفعل» عندما يجب التوقف. هذا ما يصنع الفرق ويصنِّف عملية استخباراتية ما: إما عمل وطني مجيد أو فضيحة يُندى لها الجبين.

إذا ثبت أن الجهات الأمنية والاستخباراتية التي تُتهم باستعمال «بيغاسوس» قد استعملته فعلا على هذا النطاق الواسع، فهي أولاضحية نفسها. ما من شك أنها أساءت التقدير وأفرطت في الثقة في النفس. ربما اعتقادًا أن «بيغاسوس» من الدقة والفعالية بحيث يستحيل كشفه، أو ثقةً في أن القائمين على العملية من الكفاءة بحيث يمكنهم تجاوز كل الأخطار التي تنطوي عليها المغامرة.

في كل الأحوال هو أمر يستحق المساءلة. كان يجب على قادة الأجهزة الاستخباراتية، وفي مقابل ثقتهم الزائدة في أنفسهم، أن يدركوا أن العالم لم يعد محصَّنا، وأن أي عملية سرية مصيرها الكشف يوما لخطأ ما، أو على يد عنصر غاضب أو متمرد أو استعاد ضميره. كان يجب اعتبار إدوراد سنودن وقصة هروبه نموذجا وأنه ليس حالة استثنائية. وكان يجب الوثوق أن سنودن لن يكون الأخير في ما فعل. وكان يجب تذكّر أن في مقابل الدول والأجهزة ومغامراتها، هناك جهات ومنظمات أهلية وإعلامية تعمل ليلا ونهارا لفضح ما تعتبره خطرا وجعل العالم أقل خطورة وفلتانا، من وجهة نظرها.

شدَّ المغرب الانتباه إليه في هذا الموضوع أكثر من غيره. يبدو أن للأمر علاقة بالجهات التي يُشتبه أن أجهزته استهدفتها، خصوصا الجزائر وفرنسا.

العلاقات الجزائرية المغربية في أسوأ فتراتها ولم تكن في حاجة إلى مزيد من أسباب التوتر. المزاعم عن ستة آلاف رقم هاتف جزائري، بعضها لقادة عسكريين وسياسيين كبار وشخصيات عامة نافذة، صادمة.

احتاجت الجزائر إلى نحو خمسة أيام لتعلن موقفا رسميا من الموضوع. هناك من رجح أن المسؤولين الجزائريين اكتشفوا الأمر منذ شهور فلم يفاجئهم إعلانه هذه الأيام، لذا لم يستعجلوا الرد. وهناك رأي يعتقد أن الصمت الطويل الذي سبق إعلان موقف رسمي جزائري سببه الصدمة والذهول.

يُدرك المسؤولون الجزائريون أن المغرب يتجسس عليهم مثلما يتجسسون هم عليه. هذا أمر طبيعي في أجواء التوتر المزمن بين البلدين، لكن الجزائر لم تتوقع «عملا» بمثل هذه الجرأة والمخاطرة. نحن أمام فعل غير مسبوق: إذا صحت الاتهامات، ومعها التفاصيل أن «بيغاسوس» يستطيع تفعيل كاميرات الهواتف ومايكروفوناتها عن بُعد، فهذا يعني ببساطة أن «الجماعة» دخلوا غرف نوم «الجماعة» ورافقوهم في كل حركاتهم وسكناتهم!

في المقابل، يبدو الذهول الرسمي الفرنسي في غير محله. مَن يزوّد كبار طغاة العالم الثالث بأنواع الأسلحة لقمع شعوبهم؟ فرنسا واحدة من أكبر الدول المصدّرة لأدوات القمع الداخلي. هي التي زوّدت (ولا تزال) مصر وتونس والمغرب والجزائر والكثير من الحكومات الإفريقية والعربية بالأسلحة الرقمية لمراقبة الناشطين والإعلاميين والتجسس عليهم وانتهاك خصوصياتهم. الفرق اليوم يكمن في مسألتين: جرعة الجرأة الزائدة، وكون «سلاح الجريمة» ليس فرنسيا، ما يعني أن الجهة المصنِّعة له تستفيد بشكل ما من استعماله. عدا هذا، على فرنسا أن تتذكر هذا القول المأثور: يداك أوكتا وفوك نفخ.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. هذا المقال غبي و يسبح في بحر الاشاعة اما رغبة في ركوب موجة هذا الصيف تحت عنوان فضيحة التجسس لكن الواضح ان العقول قد غيبت في هذه القضية فلم يسأل احد كيف لاجهزة الاستخبارات المغربية ان تتجسس على رئيس الدولة او على نفسها هي علما ان من بين الارقام في اللائحة المزعومة يضهر رقم الملك محمد السادس و ريس الاستخبارات المغربية الداخلية و الخارجية..لابد ان فيروس كورون اثر على عقول الكثير من الصحفييين ..

  2. عيب وأنت صحفي أن تكتب عن اتهام غبي للمغرب بالتجسس على 6000 رقم هاتف جزائري بدون أن تبحث بالموضوع عن التكلفة المالية الباهضة التي سيتكبدها المغرب عن كل هاتف وهذا دليل على برائته ؟؟ فحسب شركة NSO Group ... تكلفة استعمال البرنامج #Pegasus في ما يلي : 8.000.000 مليون دولار = 25 هاتف. يعني الاتهامات الموجهة للمغرب بخصوص التنصت على 10000 هاتف منها 6000 هاتف في الجزائر و 4000 في أروبا تقدر التكلفة ب 3 مليار دولار و 200 مليون... فهل المغرب مجنون كي يضيع كل هذه الأموال للتنصت على الجزائريين ويضيع وقته عليهم بدون فائدة ؟؟ إقحام المغرب في هذه القضية هو بفعل فاعل والذي هو الجزائر البلد العدو اللذوذ للمغرب فهي من دفعت الأموال مقابل تلويث صورة وسمعة المغرب وضرب مصداقيته عالميا والدعوة القضائية التي رفعها المغرب ضد أمنستي وفوربيدن ستوريز ستكشف مستقبلا عن كل الحقائق وسيُظهر الله الحق ويزهق الباطل وكل من يقف ورائه

  3. محتار

    في مثل نازلة التجسس هذه من هو المطالب بالادلاء بالبراهين والقرائن؟ المتهم الذي اخذ على حين غرة ام المدعي الذي يزعم انه ضحية تجسس؟ المنطق يقول ان المدعي هو المطالب بالادلاء بالادلة والبراهين لادانة المتهم. اذا كان هذا ما يقتضيه المنطق فان صاحب المقال لا يعرف طريقا للتفكير المنطقي.

  4. Khalid

    يتجسسون علينا فلماذا لا نفعل نفس الشئ، بنظري الكبار أو العالم الثالت كما يسموننا لنا الحق كل الحق لمعرفة ما يجول في اذهانهم و ما يفعلون تحت الطاولة، إنها مسألة وقت حتى يصبح للمملكة المغربية كل القوة و التقنية لتلعب مع الكبار كما تسمونهم أما الجزائر فالمخابرات المغربية تغرف كل شئ عنهم صغيرة و كبيرة و الدليل أول من عرف أن إبن بطوش يتعالج بإسم مستعار هي المخابرات المغربية،

  5. علي

    اذكر الكرعل توفيق رباحي بانكم لم ولن تنالوا من المغرب رغم تحاملكم عله في مقالاتكم .اما في ما يخص التجسس فالمغرب رفع دعوى قضائية .اما بالنسبة لاستعمال جهاز بكاسوس للتجسس على 6000 جزائري فهذا ضرب من الخيال .فعليك ان تبحث عن القيمة المالية التي تتطلب للتجسس على 6000 شخص مع العلم ان الشركة بطلب 8ملايين دولار ونصف المليون للتجسس 25 شخص .والتجسس على 100 شحص سنويا .فماهي الميزانية المطلوبة للتجسس على شنقريحة وبديعة والبوهالي و5997 جزائري اخر .نتمنى ان تصل الميزانية وعدد السنوات للتجسس على 6000 كرغل.

  6. هدي هي مملكه السبع الموبيقات ، بيع لحشيش والعهر والبيدوفيل السحر والشعوده الركوع لي غير الله قتل اليمنيين بي غير حق والجوسسه لي صالح الكيان الصهيوني . وياتي عياشي راشي يبيع اخته لي الغاشي ويقول الصحفي كرغلي

  7. [email protected]

    هناك أكثر من سبب يجعل رحلة إثبات البراءة طويلة وشاقة . الدليل للمدعي لا للمدعي عليه ،لدا من الاجدر مراجعة مضمون المقال كله ـ

  8. عبد

    لماذا هاذ الكلام الفارغ أظن هذا إلهاء الشعوب الكل يعرف حالة دول المنطقة السياسية والإجتماعية والإقتصادية،والعسكرية. لماذا هاذ الغباء إلا لإلهاء المواطن الجزائري. لستم دولة نووية ولا مبتكرة في الصناعات البتروكيماوية.الكل عارف تخبط النظام الجزائري في مشاكل أساسية كالماء والحليب والمواد الأساسية مع حكم مدني مع رئيس منتخب ودو مصداقية

  9. ABDOUL

    لقد قامت المخابرات المغربية بعمل جيد في السنوات الأخيرة ، فلنبدأ بالحقائق ، أولاً ، لقد شاركوا في تفكيك العديد من الجماعات الإرهابية في العالم وفي المغرب ، أظهروا أن إيران متورطة في تسليح وتدريب ميليشيات البوليساريو. . سمحوا بإنهاء العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا وإسبانيا لأسباب ووقائع أظهروا آنها لا تسير في صالح الوطن. مثال بن باتوش الذي لم يكن وجوده معروف فقط من قبل بعض الحكام الجزائريين الذين تعاونوا مع بعض السياسيين الإسبان. كل هذه النجاحات أذهلت أعداء المغرب واخدو يعملون كل شيء لمعرفة كيف تصل المخابرات المغربية لكل هاذه النجاحات. يجب إيقاظ البلدان الصديقة للمغرب حتى لا يتم التلاعب بها كما كان الحال مع إسبانيا ، التي كانت في رأيي ضحية التلاعب من قبل الجنرالات الجزائريين. الأعداء يتهمون المغرب لخلق خلافات بين الأصدقاء.

الجزائر تايمز فيسبوك